مقاربة نقدية لمقول القول عند أبي حيان التوحيدي كتاب :الأدبية بين تراثية الفهم وحداثة التأويل

 

 

 

 

 

 

كتاب :الأدبية بين تراثية الفهم وحداثة التأويل

 

مقاربة نقدية لمقول القول عند أبي حيان التوحيدي      

   أدبية النص وجماليــة التلقي

 

لاشك أن كل قراءة تسهم في تشبيب النص أو على أقل تقدير تسهم في تجديده . وتحريكه

) : لأنها تعمل على تحويله, فالقاريء يرتهن للنص , والنص  يرتهن بدوره لقراءة كل قاريء . من هنا انفتاح النص على  التعدد والإختلاف والكثرة . فلو لم يكن النص إمكانا ينفتح  على أكثر من قراءة لما تنوعت دلالاته . فلا حياد في القراءة والتأويل بل انحياز  وولوع يعيدان تشكيل النص وإنتاج المعنى .)( ).

 إن الفاعل المتلقي هوالذي  يعصرن الأثر ألأدبي , من خلال قراءته الحداثية . وبفضل محمله الثقافي المغاير لثقافة النص التراثي . إنه ضرب من التقابل بين عصرين وبين ثقافتين . يدمجهما ضمن كونين مغايرين , لكنهما متكاملان إنهما: الكون الأكبر للتلقي  في حجمه التاريخي  الإجتماعي . على حساب  الكون الأصغر للأثر .ومن ثم يتموضع فعل القراءة  ضمن دائرة ثقافة الكون الأكبر . فالقاريء يستدرج النص إلى دائرته الحداثية ليمارس عليه رؤيته وذوقه . يقرأه بطريقته الخاصة ويفهمه حسب مشيئته. بل يصير

هو المرجع الأساسي للنص.ليلغي بذلك مرجعية الكاتب ومرجعية النص .   

من جهة فإن النص يضمر طاقته وطاقة مؤلفه المبعد عن الآن. في المقابل ثمة طاقة أخرى هي طاقة المتلقي .التي تحاول أن تستوعب طاقة النص .لتتبناها.إلاأن مكمون النص لا

تتضح حدته فقط. (.. تبعا للطاقة المبدعة , وتأثيراتها التي  يضمرها النص . وتبعا للطاقة الكاشفة التي ينتجها المتلقي).( .

 فالقاريء أبدا يسعى إلى إعادة كيفيات التأليف وإدراك السبل التي سلكها المؤلف بغية فهمها وفهم تجربته.ففي كل نص  جانبان :( جانب  موضوعي  يشيرإلى  اللغة وهو

المشترط الذي  يجعل  عملية  الفهم ممكنة . وجانب  ذاتي يشيــر  إلى فكر المؤلف 

ويتجلى في استخدامه الخاص للغة . وهذان الجانبان يشيران إلى تجربة  المؤلف  التي يسعى  القاريء إلى إعادة بنائها بغية  فهم المؤلف , أو فهم تجربته)( ).

 فكما يتلبس النص  نفسية منتجه , وبعض خصائصه الوجدانية , وينطبع ببعض طبائعه حتى يصير قطعة منه . وبعضا من كيانه . كذلك بالنسبة لمتلقيه الذي يندمج فيه قراءة وتدبرا , إعجابا وتلذذا . وبهذا( يحل ما في جمال هئية الإنسان محل مافي جمال النص)( .

 فقد تنبه أبو حيان التوحيدي إلى هذه العلاقة الشعرية الجمالية حين ربط بين الإنفعال الجمالي في ذات المؤلف والقيمة الجمالية الكامنة  في ثنايا النص .أثناء الممارسة الإبداعية أي حالة الجسد لظة الكتابة :( إذا صح العقل التحم بالأدب  التحام الطعام بالجسد الصحيح)( .

  وهذا إدراك شامل  للظاهرة الأدبية .ويمكن هنا التنبيه الى مايعتري المتلقي أيضا وقت القراءة . فكذلك المتلقي تسري  متعة النص الجيد بجسد قارئه, حين ينتشي  بأدبيته , على شرط أن يكون جسدا صحيحا سليما . أي يكون واعيا بخصائص النص الذي يقرأ.

 هذا مع النص المكتوب حيث حدد القدماء أدبيته انطلاقا من عناصره التكوينية . وما كان النص الشفوي له حضوره الثقافي  والإجتماعي . ولما كان خطابا ينجز مباشرة وأمام جمهور حاضر .فإنهم استمدوا أدبيته(الشفوي) من الإنسان نفسه: ( اذ عد العرب الهيئة  التركيبية  للإنسان مقياسا  لجمالية النص. من ذلك أن الإنسان  وإن قومه الله أحسن تقويم لايخلو من عيوب كالحو والقبل واللثغ..)( .

      لكن ما الذي تحدثه القراءة الحداثية  في النص التراثي بالذات ؟ وما الذي يتغير فينا بصفتنا قراءا .نجلب النص من هناك إلى هنا؟ من ماضيه البعيد إلى حاضرنا المغاير له؟  إننا لانقرأ النص بهدف تغيير نصيته ما دامت جوهرية فيه . إننا حين نقرا النص التراثي خاصة:( فذلك لأننا نعتبر القراءات السابقة لم تفلح في الكشف  عن نصية  هذه النصوص . أو أننا بتعبير آخر نريد أن نجلي نصية جديدة بناء على ما يقدمه لنا السياق الذي نعيش فيه من إمكانات ومؤهلات  . وما يفرضه علينا من اسئلة  راهنة . ويفيد هذا أن أي (نص) كيفما كان لا يتم تلقيه إلا وفق أنظمة القراءة السائدة في الحقبة المعينة.

(..إن النص كالنهر لا نسبح فيه مرتين :إنه دائم التجدد تبعا لتجدد أشكال تلقيه في الزمان والمكان.)( .

كل  قراءة حداثية  تهدف إلى خلخلة  رؤيا النص التراثي . وإلى مناوشته بعيدا عن حقبته التاريخية . وموت صاحبه –الموت الفعلي او الموت التغييبي – قصد مساءلته .وجره إنزياحا بعيدا عن محمولاته التاريخية والفكرية . الثقافية .إننا نقرأه بواسطة كفاءاتنا الثقافية المعاصر . نقرأه من خلال الثقافات المتراكمة لدينا عن هذا النص,وعن خلفياته الإجتماعية معتقدين أن قراءتنا أقدر. وأنجع من كل القراءات التي سبقتنا, قراءتنا هي إزاحة للقراءات السابقة , إننا حين نقرأ النص التراثي, نقرأه بتعال, مستعملين آليات مفهوماتية .نقدية وتفسيرية أقوى , وأكثر تطورا وحداثة . من مكونات النص التي تجاوزتها المفاهيم النقدية الحديثة , والمعايير التقييمية .لقد انتهى زمن النقد الشمولي. والأحكام الجاهزة سلفا. والمقاسات المعيارية التي تلبس قسريا لكل نص . كقولهم: هذا بيت كثير الماء , وهذا أحسن بيت قالته العرب, والنص البليغ وغير البليغ....إلخ.

لقد أدخل النص في عصرنا الحديث المخابر اللسانية . والصوتية, وسلطت عليه عدسات التفكيكية . والبنوية, والسيميائية وغيرها من المدارس والمذاهب النقدية .المتميزة بالدقة المفرطة , إلى درجة الشطط , والغموض الإصطلاحي والمفهوماتي , صار النص يقرأ خارج ذاته( فيزيائيته) .ويؤول بعيدا عن مقصديته. واختفى المبدأ التفسيري ليحل محله الفهم . واختفى مرجعه الثقافي التاريخي , ليحل محله القاريء بصفته المرجع الأساس 

لكل قيمة نصية ,إلا أن هذه القراءة رغم حداثتها إلا أنها لاتشذ عن قاعدة مفهوم القراءات السابقة عنها . فهي في ألأخير لا تعدو  كونها قارءة إساءة للكل القراءات  السابقة .فليس ثمةمن قراءة  واحدة  أفضل من سواها: ( لذلك فالقراءات جميعا , التي يحتمل ألا يحددها عدد. هي في التحليل الأخير متساوية  في كونها إساءات تفسير..)( .

  إذا كانت كل قراءة هي إساءة تفسير . فإن كل قراءة هي كشف وتنوير للنص . وتوسيع لأفق عالمنا . عالم لحظة التلقي . وحاضر الذات القارئة . إنه تنوير للذات بواسطة الآخر .ذلك لأن أي قراءة هي ضرب من المثاقفة بين الأنا المتلقية والآخر الكامن في نصه ,يمارس صمته , مستكينا في غيابه. يتحدث إلينا من خلا ل لغته التي تقول عنه مالا يستطيع أن ينطقه. فكل قراءة هي حوار ومخاطبة بين الكاتب من خلال نصه أو أثره . وبين القاريء :( إن عملية التلقي  تفتح لنا عالما جديدا. وتوسع– من ثم- أفق عالمنا وفهمنا لأ نفسنا في نفس الوقت .إننا نرى العالم في (ضوء جديد) كما لوكنا نراه للمرة  الأولى..)( .

  هذه القراءة الحوارية هي التي تنتج لنا النص الخفي , ضمن النص الظاهر. وبذلك هي قراءة تسعى لأنتاج النص الخفي . بواسطة النص الظاهرأو المتشكل . ومن ثم  فكل نص متشكل :( هو على وجه من الوجوه مزدوج, يرافقه ضمنيا  نص آخر يفترضه ألأول, ولكن القاريء وحده هو الذي يستطيع  إظهاره . في هذا الإزدواج يموضع المؤلف نبع التعدد المعنوي الخاص بالأدب .إن ما لايقوله النص أو مالا يوضحه يشكل : ( بنية إبداعية للممكنات) التي تقوم عليها  حرية التأويل (حرية محدودة لأنها مراقبة أو على الأقل  (مقودة) عند الفاعل المستقبل.)(

    إن الجانب المراقب في النص هوالموضح , الذي يمثل اليقيني. والمفسر.على أساس أن النص ينبني على ثنائية التركيب : الظاهر والخفي , اليقيني والشكي . فالظاهر هو الذي يحيل على الغامض والخفي . وهو ما أشار إليه أبو حيان التوحيدي وقد وسمه ب:بلاغة التأويل : ( وأما بلاغة التأويل  فهي التي تحوج لغموضها إلى التدبر والتصفح وهذان يفـيدان  من المسموع وجوها مختلفة  كثـيرة نافعة , وبهذه البلاغة يتســع في أ سرار

 ( معاني) الدين ..)( .

فالغامض في كل نص هو الذي يمثل ممرات الإنزياح .خارج النص لفلي ظلال الألفاظ. لكن فعل الإنزياح حتما يمر بالظاهر والواضح في النص .واليقيني .إلى مواضع الشك . والمسكوت عنه أو كما يسميه أبو حيان التوحيدي (..المعنى المدفون  وإنارة  المراد المخزون..)( .

ومادام كل تأويل  غايته معرفة قصد الكاتب .فإن القاريء يعمد إلى فك الشفرات اللغوية التي وضعت لتشير إلى خارج النص أكثر من إشارتها إلى داخل النص . الألفاظ الأكثر طاقة , والأكثر حيوية:( لأن لغة  التأويل هي لغة الحدود التي  تصل بين المرئي واللامرئي).( .

 إن مايمكن الإشارة اليه هاهنا هو أن كل نص أدبي يتمحور بالأساس  حول قطبين هما:

مواضع القين les lieux de certitude .ومواضع الشك.les lieux d incertitude.

 :( إن مواضع القين – وهي نسبية بالطبع- هي أكثر الأمكنة  وضوحا, وأكثرها التي ننطلق منها لبناء التأويل  , وبالتحديد ,إنها تمنحنا نقاط الرسو التي تسمح بتطبيق ذلك التأويل على النص.أما مواضع الشك  التي يمكن أن تبدأ  من الغموض الخفيف  إلى أكثر الفقرات  استغلاقا فإنها تضع القاريء في موقف حرج( حسب النظرية الكلاسيكية).أو أنها تمنحه حريته كلها باعتباره قارئا( حسب المنظور المعاصر) .( .

هذه المواضع الشكية , غير اليقينية . والتي تمثل بؤر مضببة . قد أشارإ ليها  قدامة بن جعفر في كتابه (جواهر الألفاظ) , وقد حشد لتوضيحها عددا هائلا من المصطاحات التي تلتقي في مفهوم واحد هو التلميح أو الإغماض.في قوله:( عرض بالقول ورمز فيه ولوح به, ولمح به , وجمجم به , ومجمج وكنى , وورى, وأشار إليه , وأومأ , وغيب عنه , وعماه. ودمسه , ونمسه وأدمجه , ومكره, وأكنه, وأكتنه..)( .

 نحسب أن غزارة المصطلحات وتنوعها تأكيد على أهمية الغموض , كنصر فني لتقوية الأدبية , وأن التخفي أساسها الذي تعول عليه. وأنه مجال خصب للتدليل . وأن اللا يقيني في كل نص هو انفتاح على جمالية التلقي  وشعرية النص.

  إن انفتاح النص على الغريب والطريف والمدهش . والمخالف للعادة .هو الذي جعل النقاد الأقدمين يتنبهون إلى أن  الكلام الأدبي يتخلق  بين قطبي التلميح والتصريح . ناظرين إلى المصرح به على أنه أرض ثابتة يطمئن القاريء إليها . يقف عليها ليعاين باقي انحاء النص وأرجاءه المتحركة . وقد أعطى كل من الجاحظ وإبن طباطبا لقضية الحال  بعدها الفني الجمالي إذ عداها رافدا فاعلا للتذذ  الأدبي الجمالي , أثناء حال التلقي . وقد استعمل الجاحظ لحالة الإنتشاء هاته مصطلح :( الغرابة). بصفتها غموضا جماليا فنيا. حين قال:( لأن الشيء  من غير معدنه أغرب , وكلما كان أغرب  كان  أبعد في الوهم , وكلما كان أبعد في الوهم , كان أطرف . وكلما  كان أطرف كان أعجب, , وكلما كان أعجب كان أبدع)( ).

     من شأن الإغراب أن يكون خصيصة النص الأدبي كيفما كان جنسه . وقد يكون

عامل توحيد بين الأجناس الأدبية .كحضوره في النثر والنظم وهوما وضحه أبو سليمان المنطقي  في قوله:( ..ومع هذا ففي النثر ظل النظم ولولا ذلك ما خف ولا جلا ولا طاب ولا تحلا. وفي النظم ظل من  النثر ولولا ذلك  ما تميزت اشكاله ولا عذبت موارده ومصادره , ولا بحوره , وطرائقه ولا إئتلفت وصائله وعلائقه)( ).

إن ما يسميه القدماء غريبا وكثير الماء , والأطرب وغيرها من المصطلحات .لا شك في أن كونها إن اختلفت في مادتها اللغوية ( المسميات) مع المصطلحات الحديثة فإنها تلتقي معها من حيث المفهومات الفنية والجمالية الأدبية .

 إن أهداف الدراسات القديمة والحديثة تسعى كلها إلى تلمس  درجات التفاعل الناشئة بين القاريء والنص .كل الدراسات تحاول الإجابة عن الأسئلة التالية : ماالذي يجعل النص نصا أدبيا ؟ وما الذي يؤثر في المتلقي ويشده الى نص دون نص آخرى؟

 وهل كل القراء  يتأثرون بنفس النص الذي يعتقد أنه جيد؟

  يرى أمبرتو إيكو: umberto eco. :( أن النص آلة كسولة  تتطلب  من القاريء  عملا تعاونيا حثيثا لملء الفضاءات التي لم يصرح بها أو التي صرح من قبل أنها بقيت فارغة ..)( .

 وللقيام بهذه المهمة المعقدة يرى امبرتو إيكو أن القاريء النموذجي  أو القاريء الضمني  أو المتواطيء هو الذي يقوم بهذا الدور التدليلي . ويعرف هذا القاريء بانه مرافعة نصية وقد يعرف أيضا بأنه القاريء النموجي على إعتبار :( أن النص  منتوج ينبغي  أن يكون المصير التفسيري  قسما من آليته التوليدية  الخاصة .)( ).

  تنصب عملية التفسير  إذن على الفراغات وعلى الشفرات المفتوحة على خارج النص .

 

والتي تمثل الإنزياحات والممرات التي يسلكها القاريء . تملصا من قصدية المؤلف .

أو على أقل تقدير إكمال ما لم يسجله الكاتب . انطلاقا من المعنى المسجل . وبهذا الفعل  الإجرائي للقراءة . تلتقي المقاصد الثالث: مقصدية الكاتب ومقصدية النص ومقصدية المتلقي   

     تتمازج وتتداخل هذه الأطراف ضمن الخطاب .ليتولد عنها نص القراءة الذي هو  في التحليل الأخير نتيجة تفاعل القاريء مع النص . إن معنى الكتابة ليس مجرد تثبيت  

  (خطاب شفوي سابق. إذ يصير التسطير  رديفا للا ستقلال  الدلالي للنص, الذي ينشأ عن فصل القصد  الذهني  للمؤلف عن المعنى  اللفظي للنص . وفصل ماكان يعنــيه المؤلف  عما يعنيه النص . هكذا تفلت وظيفة النــص من الأفق  المحدود الذي يعيشه  مؤلفه, ويصير ما يعنيه النص الآن مهما أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه )( .

  إلا أن المبالغة في التأويل والشطط في تقول النص مالا يحتمل قد تخرج النص عن ذاته . وتلغيه تماما . فكثير ما تقرأ النصوص التراثية   بكثير من المبالغات والتحـــريف الزائف. مما يفقد تلك النصوص . أصولها التاريخية والثقافية . التي تمثل شخصيتها وهويتها.

 لقد ميز النقد الحديث  بين نوعين من التأويل: المغالطة القصدية:intentional fallacy :( الذي يتشبث بقصد المؤلف  معيارا لأي تأويل سليم للنص, ومن ناحية  أخرى لدينا ما أسميه على نحو مناظر للتسمية الأولى : بمغالطة  النص المطلق, :أي  مغالطة أقمنة النص  وتجسيده بوصفه  كيانا  لا مؤلف له.وإذا كانت المغالطة القصدية  تبالغ في الاستقلال  الذاتي للنص , فإن المغالطة المعاكسة تغفل أن النص  يظل  خطابا ينقله شخص ما. ويقوله شخص إلى آخر عن شيء ما, ومن المستحيل إلغاء هذه الخاصية  الرئيسية للخطاب ..)( .

 

    لا شك في أن كل نص هو مشروع للقراء ة . والتفكير , والاستكشاف. وما يوحي به النص من  دلالات ومعارف وثقافات ضمنها الكاتب نصه. بهذا المفهوم يصير المؤلف بعدا من أبعاد النص الثقافية والفكرية . وأن أي إهمال لهذا المؤلف يفرغ القراءة من جديتها. وجدواها. فالنص دوما يشير إلى صاحبه . ويستنجد به مع كل قراءة  تحاول إبعاده عن صاحبه والإنفراد به :( ..وحين لا يجيب النص يثبت أن له مؤلفا , لا متكلما به.  فمعنى المؤلف هو النظير الجدلي  للمعنى  اللفظي , وينفي  تفسير أي واحد منهما من خلال الآخر.  هذه المفاهيم  عن المؤلف ومعنى المؤلف تطرح مشكلة تأويلية مزامنة  لمشكلة الإستقلال  الدلالي.)( )

   وانطلاقا من هذه الجدلية يمكننا أن نتساءل :أين يقف المتلقي  من النص ومن المعنى ؟ وهل ما ينتجه المتلقي من معنى (نص القراءة) يعد منتجا مناصفة بينه وبين المؤلف باعتباره صاحب النص الأصلي؟ أي النص المقروء. :( لا شك أن العلاقة  بين المتكلم والمتلقي  هي علاقة تقاطع وتداخل, يحاول  المتلقي من خلالها أن يتجاوز المنطوق  الظاهرللنص إلى مجاهله الخفية . فيلجأ إلى التأويل الذي  هو سعي للوقوف على مقاصد المؤلف والتفات إلى كثافة المعنى ومفاضلة  بين وجوه الدلالة . ويعبر من ثم إلى التفكيك الذي يهتم بفراغات  النص وثقوبه أو الحفر في طبقاته.)( ).

  يسعى المؤلف من خلال نصه إلى إغراء القاريء أو المتلقي .بدعوته إلى تلذذ نصه من خلال بنياته التركيبية العجيبة . وما شكله من مواقع إدهاش . ونظم لذيذ المأخذ. ومن مجازومخيال لا فت. وهذه كلها عناصر هامة وفاعلة تندس وراء أستار اللغة.

     من جهة يسعى فعل التلقي إلى تفكيك عناصر النص .لإعادة تركيبه بحسب مستوى القراءة وقدرة المتلقي على إغتــصاب الألفاظ - على قول الجاحظ – مما يجعل لحظة

  الإبداع  تنحرف عن مسارها. أو أسس تكوينها . فيتحول التلقي  إلى ميتا- إبداع وميتا – لغة.لأنه لغة فوق لغـة , وإبداع فوق إبداع : ( لذا فزمن التلقــي ليس أصيلا ولكنه

مخلوق ومعاد, إنه مغاير لزمن التجربة المطلق بهيولاه وصوره.)( .

 يقف زمن النص بين زمن لحظة إنتاجه ولحظة قراءته. بصفته زمن إنتظار.أي أن يكتب ليقرأ . وقبل قراءته يدخل مرحلة إنتظار, انتظار قارئه, ثم تأتي القراءة كمرحلة تعيد النص إلى شفاهيته . التي بواسطتها تتكون دائر ة تخلق النص : تخمين فكتابة فقراءة.

بذلك يكون التخمين صمتا وتكون الكتابة صمتا وصوتا ( يسمع الكاتب الفاظه قبل كتابتها, إنه يملي على نفسه) ثم تكون القراءة صوتا. وفي نفس الوقت تكون كتابة بلا خط,  نص خارج الكتابة, نص خارج نص . مشكلة حركة دائرية لانهائية , إنه دوران حلوزني لايكرر نفسه , ينتج ذاته بذاته . ينتج ذاته من خلال حالة التكثر والتضخم الدلالي .

 فبذلك كانت كل كتابة نظما وضما للغة . وكانت كل قراءة انتشارا وتشتيتا للغة.ومن ثم لايقرأ النص إلا مشتتا.           

 فهرس الموضوعـــــات

 

الأبتداءات.

السمات المعلرفية الروحية التي ميزت  العصر العباسي ..................

الخصائص السياسية لعصر أبي حيان التوحيدي..........................

انصهار العرب بغيرهم ................................................

 السمات المعرفية المميزة لعصر ابي حيان التوحيدي...................

 إنشاء المدارس والمكتبات.............................................

الصراع المذهبي في القرن الرابع الهجري..............................

الشعوبية ..............................................................

ثقافة أبي حيان التوحيدي .............................................

رأي أبي حيان التوحيدي  في بعض  مشايخه..........................

القاضي أبو حامد المروروذي.................................

أبو سعيد السيرافي............................................

معايير الكتابة الأدبية عند أبي حيان التوحيدي..........................

معايير جودة النص الدبي...............................................

الإعتبارات العقلية لقياس جودة النص الأدبي............................

-       جدلية اللفظ والمعنى............................................

موقف أبي حيان التوحيدي  من جدلية اللفظ والمعنى.....................

مفهوم  مفهوم الأدبية عند أبي حيان التوحيدي..........................

أدبيـــة النص  وجمالية التلقي.....................................

أدبية النظم والنثر في مفهوم أبي حيان التوحيدي.......................

أولا: أنصار النثر...........................................

ثانيا أنصار النظم...........................................

أنصار المساواة  بين النظم والنثر ....................................

فكر إخوان  الصفا..............................................

مفهوم التصوف لدى أبي حيان التوحيدي........................

رده على المتصوفة............................................ 

الفرق بين الشريعة والفلسفة....................................

 تعليق التوحيدي ..............................................

تأديبه للخطاب الفلـــسفي...................................

البحث عن الذات..............................................

 

ملحق خاص بالخطابات السردية ..............................

الا نتهــــاء..............................................

كشاف مصادر ومراجع الكتاب................................