رواية: بياض اليقين

رواية: بياض اليقين

 

 

-5-

 إن الإتصال بالرقم الذي طلبتموه غير ممكن حاليا.قد يكون جهاز مراسلكم مغلقا أو خارج مجال التغطية .يرجى إعادة المحاولة بعد حين.. .شكرا

كان الصوت النحس يكرر بلا ملل وبعناد إليكتروني مزعج.. أقطع الإتصال .وأفتحه بلا ملل.. أناأيضا عنيد..عنادي يدفعني لأتحد هذا الصوت الأنثوي .هذه المرأة الإكترونية التي تخضع صوتها المغري. ربما هي الآن تراودني عن نفسي. ربما الغيرة تقتلها بعيدا عن بياض اليقين. فسرت مصطلح :دائرة التغطية أنه محيط كلية العلوم الشرعية.. ربما هذا الذي كان الصوت الإكتروني يقصده. ومجال التغطية ربما .أقول ربما والله أعلم : بياض الثلج. فلثلج مغناطسه الخاص. جاذبته الخاصة. .. لكني مصر على سماع صوت طالبة الشريعة .وسط الثلج .أن أسمع ضحكتها الملهمة. والتي ااتخذتها أقصد ضحكتها مصدر شعريتي ..بل كان علي 

أن أراها لأواصل كتابة قصتها.مخيالي يشتغل بهمة وأنا ااجتهد في ترتيب النص المسرود . لأن أكسر هذا النظام الزمني الصارم للأحداث . أن أحدث تواترا فنيا   يليق بقامها العالي.حفظها الله وأرضاها. حبة القلب. سواد العين. أن أجعل المتلقي يراها مثلي تماما . علي  إذن رفع درجة الإيهام إلى اليقيني وإلى منزلة الكشف

 أنا وحدي القادر على اختراق الحجب . الله يرفع   الحجب عما يشاء . متى يشاء .كيف يشاء.. قدرة كلماتي من قدرة الله . كلماتي تجاهد وحدها لتحقيق العجيب والمدهش. . تأتيني انقضاضا أحرفها الخضر  لتصنع الفتنة . نصوص الفتنة . إذن ثمة تعالق بين فتنة النص في جمالياته وفتنة الخطاب القصصي في مضمونه. وبشاعة أحداثه...

كنت ما أزال أحاول مع هاتفي..والصوت النحس يكرر بعناد اليكتروني ثابت. حين وقفت أمامي وسط الثلج بحجابها أو معطفها الطويل الكشميري وهي تقول   مازحة: آلو أستاذي العزيز. هل تسمعني؟

رفعت عيني .وأطلقت ضحكة عالية .ضحكنا معا . سردنا بطريقتنا الخاصة ضحكة مشتركة.

قلت لها لماذا غيرت رنة الهاتف بالرجة ؟

قالت: لا أدري بالضبط

إذن أنت الحقل المغناطيسي؟

قالت وهي تسرد ضحكة :

وأنا أيضا مجال التغطية

قلت لها جادا: مارأيك في أن أغير رنة هاتفي الموسيقية .بضحكتك المتميزة؟

قالت وقد أعجبت بفكرتي الجنونية :

وبالتالي تسمعني إليكترونيا متى شئت...

بدأنا نشكل رجلا من ثلج. هي تجمع الثلج في حجر معطفها.وتحمله حيث أنا منهمك في تشكيل الرجل الثلجي. كان عملا مشتركا على طريقة التويزة ..بعد دقائق وقفنا نعاينه. .ندور من حوله . ونرمم بعض الحفر التي ظهرت عليه. بحفنتها الضعيفة .تحمل الثلج االأبيض . وتملأ الحفر . أو تزيح النتوءات البارزة على وجهه..

رفعت معطفها الكشميري من على الثلج .نفضت عنه ما علق به من ثلج. ناولتها المعطف .إبتسمت مبدية بعض الحرج. إعتذرت لي . ثم شكرتني .

 نزعت زرين من حجابها أو معطفها الطويل. ثبتتهما على وجه رجل الثلج . فبرقت عيناه .وهو يغمز لها.كأنه يراها لأول مرة . ربما هو الآن يراها فعلا.

 الزران ينظران . يبصران .عيناه الآن  تتأملان ملامح طالبة الشريعة .كأنه ينظر من خلالها .صوب مدينة قسنطينة . يتعرف الآن ربما على مدينة قسنـــطينة

 مثلي مبهورا. جرت من عينيه قطرتان من الماء . أو ربما الثلج الذائب. ربما هو الآن يبكي فرحا . أوربما حزنا على هايـدي.. يقينا هو الآن يعرف قصة هايـدي. ربما أصله من الشيشان . مكوناته الأولى من سيبيريا. الثلج دائما واحدا.أينما نزل. له نفس البياض . وله نفس الصمت . وله حكمة الجليد. وله أيضا قساوته القطبية.

 والثلج له نفس الحكاية . وله خاصية السرد.

 أخرجت منديلها المورد. كفكفت دمعه. أو ربما لمعت عينيه. أقصد الزرين . صار لهما بريق خاص. سحر عجيب.  

  قالت طالبة الشريعة السمحاء وهي تثبت قلما على وجه رجل الثلج, لتمنحه أنف بينيوكيو:

-       أنت بارع في التخريف.

 قلت وأنا أعلق مطاريتها على كتف الرجل الثلجي,   على شكل بندقية:

-       تقصدين قدرتي على السرد, ؟

-       أنت سارد ماهر.

-       وأنت مسرود له ممتاز.

 تضحك  بطريقة منتظمة كأنها تسرد ضحكتها.

-        ثم قالت : لا أحب قراءة القصص. أفضل سماعها. القراءة تشوش المتخيل. تفسد التركيز.

-       قلت  : الطلبة  لايقرؤون ولا يستمعون أصلا.

-       سكتت ابتسمت لرجل الثلج.أو ربما ابتسمت لي

ابتعدنا عنه قليلا. تأملنا ملامحه. نزعت شالها العسلي. أسرعت. وضعته حول عنقه  وهي تخاطبه أو تخاطبني ربما :

يبدو مقاتلا حقيقيا.

-       قلت : لكنه من ثلج

-       أعرف أنه من ثلج .فقط لاينقصه سوى  الاسم.

-       قلت : لو منحناه اسما . معناه أننا منحناه هوية

-       قالت مقهقهة : فعلا الاسم يؤنسه ويؤنسنه .

-       أضافت ماذا لو منحناه لحية بيضاء لا شية فيها؟

-       قلت : إذن سيبدو شيخا صوفيا.

-       بماذا نسميه إذن ؟

-       أضفت بما يشبه الهمس: لو كان أمرأة من ثلج لسميته على بركة الله : هايــدي

-       ودمعت عيناي

أضفت وأنا أتأمل عينيه. أقصد الزرين الكبيرين

 السودوين: وسأسمعه مقطعا من شعري المفضل:

-       عيناك ..يا بنت البتول ..حمامتان وبندقيه

قالت لا تمزح ياأ ستاذ

سكتنا وقتا قصيرا. ربما كنا نفكر بنفس الطريقة. في الشيء نفسه. في الهم ذاته. ربما..

قفزت طربا. وهي ما تزال تضحك على طريقة هايدي

وتثير الثلج بقدمها. تطيره دقيقا. ورضاضا أبيض:

-       وجدتها  يا أستاذ.. وجدتها.

-       ماذا وجدتي ؟

-       لما لا نسميه ابن عربي ؟

-       قلت : إذن سأمنحه  صفة لا ا سما

-       ثم أضفت بنبرة المصمم:

-أ سميه إذن على بركة الله: الرجل الثلجي.لتكون هويته بياض اليقين. ولغته صمت البياض.

-       قالت : موافقة. ليكن رجل الثلج.

-       تقترب من رجل الثلج . تنظر مباشرة في عينيه :

-          أتسمع لقد سماك الأستاذ : رجل الثلج. هنيئا لك لقد صرت أحد أبطاله الغامضين.

تضيف بمرح طفولي :

-و سيخلدك قبل أن تذوب .

وتضحك .تنتشر رنات ضحكتها بعيدا عبر المدى .

محمولة على بياض الثلج .قطع فضية تدحرجت وقت السحر.

تلتفت إلي . تعالى يا أ ستاذ ..إقترب أكثر .

أقترب أكثر..أدنو منهما

تخاطب رجل الثلج وهي تشير بيدها إلي :

-أقدم لك الأ ستاذ . جاء من بعيد، ترك جامعته وطلبته. يبحث عن هايدي الشيشانية . أتعرف  هايدي أيها الرجل الثلجي؟ وتبكي  تنحب بصوت مسموع .عويلها المذبوح بالشهيق . يقتلني . سكين يتحرك بعبثية داخل قلــبي

المتعب.

 أمد يدي أصافح رجل الثلج .

- أتشرف بلقائك. سمعت عنك كثيرا يا سيدي

تضحك وهي تبكي . دمعتان وابتسامة ..

لذعات الجليد تدغدغ أناملي، تتجمدأناملي..تشعرني بقساوة رجل الثلج.  تشل ذراعي. أشعر بدورة الدم

تتباطأ عبر جسدي .المسكون بالهم.ترتفع قهقهاتها عاليا.

انتبه الطلاب  لرنات الفضة المتدحرجة  وقت السحر.

.لكن رجل الثلج يظل ساهيا، كأنما يتلو صمته. يرتب حزنه الخفي. هو مثلي  يقتله الصمت . لكن طالبة الشريعة تنقضه من سكونه , تخرجه من صمته الأبدي.. حينما تضحك طالبة الشريعة السمحاء . يخيل إلي أن رجل الثلج  يتحرك. يتململ قليلا. يحاول أن يتابع حركات طالبة الشريعة . من حوله.. يصير له شعور غامض .ويقتله الحياء مثلي.. يخيل إلي أيضا أن همسا ما يتسلل من أعماقه الثلجية .زرا المعطف الشتوي السودوان .عينان تنظران. تلمعان . تصدران بريقا

غمازا. تغمزان  لطالبة الشريعة السمحاء.. يخيل إلي أن الرجل الثلجي صارت له هوية. وذات صوفية  فانية مثلي.هو مثلي .أو كأنه أنا في جسدي الفاني . أو كأنني هو .ذاتي في كتلة الثلج. .له صمتي .له عشقي الصوفي

وأنسي. ولي بياض يقينه في.ويحلم مثلي أو لي حلمه الخفي .يحلم مثلي بهايدي الشهيدة .بهايدي الشيشانية

.شهدكا الثلج..فقط لي ذاكرة هاتفي المحمول، وله ذاكرة الجليد.محمولي . خزان وجوه أبطالي  المقهورين . ووجه هايدي الوضيء .لكني  وبالرغم مني ما زلت أسميه الرجل الثلجي . أنا الذي أنسنته  وخلعت عليه ألقابا ما كان يحلم بها في باطن الغيم رذاذا..ثم صيرته كذبة جميلة تحكى .ونصا أسرده..أخضعه لمشيئة لغتي. وهاهو الآن إنسان من ثلج . وأنا أيضا صرت إنسانا لكن من هم. أيضا.أنسنته ضحكة طالبة الشريعة. يكاد يقول لطالبة الشريعة السمحاء سرا:

-       عيناك . يا بنت الشريعة.حمامتان وبندقيه.

 ;أكاد أصرخ فيه :إ تق الله يارجل الثلج . فالعين تزني . لكن عيني رجل الثلج تتلصصان.  رجل الثلج البارد لا يغض البصر . يتابع حركات الطالبات( استغفر الله

 العظيم من كل ذنب عظيم).  

تقف إلى جانب رجل الثلج . تقهقه بصوت يشبه صوت هايدي:

-       عسكري . نكب سلاحك. إلى المدرج سر .

أخرج هاتفي المحمول..ألتقط لهما صورة .تقهقه بصوت  عال . أفتح عين الكاميرا فيديو:

ملامح هايدي بحجابها الفضفاض.بخمارها العسلي بخطى واثقة تتجه صوب باب جامعة غروزني .تلوح هايدي لرفيقاتها وتبتسم.أطراف حجابها الفضفاض.يحدث صوتا له سيماؤه.ينطق الثلج. يصير للثلج حديث, الثلج يحكي.يسرد قصة البياض وعين الهاتف تحكي.العين تسرد بالألوان كما

اللغة تسرد بالسواد .حركة زوم , يصير الوجه الملائكي أمامي ,ونظرات الجنود الروس تشتغل أيضا, فرقة الموت تراقب هايدي. لكن رجل الثلج قادم من قسنطينة. ربما

هو بالفعل قادم . ليرافق هايدي إلى جامعة غروزني . يحميها من تحرش فرقة الموت .طالبة الشريعة السمحاء .أعطته مظلة وشالا. وأعطته كلمة السر. وأمرته :إلى ألأمام سر , والأمام مسافة عمر.

-       تقف طالبة الشريعة خلف رجل الثلج :

 أمض على بركة الله رب الشريعة السمحاء. خلص هايدي.

وتبكي بشهيق مسموع .

 من برار مجهولة.أدون في أشيائي السرية: للنفس فيافيها الباطنية و ولادة فجرنا تبدأ من نهـاية هذا العتم

الخاص، و نحن عبر مدار الأزمنة الأولى صامتون.

و أن عربة الفجر نحو الاتجاه الحق..

أمد يدي إلى زر المسجل لأذكي الصوت الباكي... أصوات و ترانيم جنائزية، مقبلة، مخلوطة. سامي يوسف ينبثق من الشريط الدائر عبر النخاع.حزينا هو مثلي أيضا يحرقه الشوق للذات العليا.

ما في قلبي غير الله ..

إملء قلبي باليقين ..

ثبتني على هذا الدين ..

-اللـه يا الله...

وقتها أتوحد بالصور المارقة.طاهرة هي الوجوه القانتة, وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة..كأنها الآن تنظر إلى ربهامن تحت  جفنيها المكحلين بالصفعات.هايدي.. في نعشها البسيط. وقد بتر ثديها الأيمن ذراعها اليمنى. رجلها اليمنى.  سرقت كليتها اليمنى..آه ياحبة قلبي . وسواد العين، تدمع عيني لموتك . ويحزن قلبي لفراقك

ياابنة الأصهب الصهباء, ولا أ قول مايغضب رب الشريعة السمحاء.

أتوحد  و أصير شفافا كالفراغ.. أعبر نحوها. أتوغل عبر الذبذبات اللامرئية .أتنــقل بين سواد كلــماتي

  المسكونة بالحزن. ترافقني أطياف وضيئة مغسولة..

في رأسي تشيل الأصوات. ما عدت أمايز الأشياء الملقاة داخل أدغال الزمن الموحش.  

 لو مددت يدي للامست أطراف حجابها..أراها الآن تماما داخل جامعة غروزني  في الصف الأول من المدرج.تهمس لزميلتها ثم تبتسم فقط.

وتواصل تحديقها في لاشيء..تتهجى ملامح غامضة .

غير مرئية.يشد انتباهها جندي روسي ينظر بتشه تجاهها . يلحم عينه الذئبية على الزجاج المندى ثم يبتسم

لها بخبث.ويظل يطمع بخبث ككلب مكلوب.تدير وجهها مذعورة.في حين يتحرك الجندي مبتعدا عن نافذة

المدرج لينضم إلى باقي الجنود الذين أعطوا بظهورهم إلى الجدار المثخن بالثقب التي احدثتها زخات رشاش ما.وهم ينظرون بتشه إلى الطالبات .فجأة مرق ضابط متكرش برفقة ثلاثة جنود يدفعون شخصا ما بمؤخرة بنادقهم الرشاشة.انضم إليهم باقي الجنود المعلمين بشارات حمراء حول أذرعهم.هي علامةخاصة بفرقة الموت .هرول الطلاب بعيدا فاسحين الطريق أمام الجنود الذين بدوا أكثر صرامة وقساوة.

كان الرجل يتعثر بالحفر التي أحدثتها قذائف الهاون بساحة الحرم الجامعي .وقد عصبت عيناه بإحكام , في حين كان بوشكارة يجتهد في اللحاق بالضابط .ظل الأساتذة يشيعون زميلهم بوجوه غلفها الحزن والأسى.

.كانت هايدي وزميلاتها يراقبن المشهد من وراء زجاج النوافذ المندى. وهن ينحبن في صمت.وأحيانا يسمــع

شهيق  إحداهن..يتردد في أعماق هايدي صدى يوزعه الأثيرعبر المدى :

آه كم أخاف عليك من فرقة الموت ياهـايدي.

تضحك متمايلة. رنين فضة تدحرجت وقت صمت السحر:

قل ياأبي : أتخاف علي أم على جمالي؟

أخاف عليك ياحبة قلبي. بدونك لا معنى للحياة ياهـايدي.

تهرع إليه.. تحتضنه .تلثم جبينه..بأصبع مرتجفة تزيح دمعة محتبسة عن عينيه .تلتصق به .تضمه بشدة :

قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا.

يضمها أكثر. يبكي.تبكي..يبكيان. يصيران جسدا واحدا.. وصمتا أوحد.. ياوحد .وتظل تتصنت لضبح خيول طالعة من بين كثبان عطشى . في داخلها أزهار

تتفتح . ومروج ومسرات .زغاريد طالعة من فص حنجرة مذبوحة..هـايدي.

آه يا حبة قلبي المتعب. أحدث نفسي : هل سيسلم جسدك الطاهر إلى الفنان الهولندي: فان كوخ. ليرسم عليه أفكاره الصليبية؟ ربما هو ينتظر موتك ليكتب على مكان عفتك آيات قرآنية .ليزركش جسدك الثلجي بالوشم . ليجعل منك لوحة عبثية  في فلمه الموسوم:( الإذعان)

لا أدري كيف يسمى باللغة الهولندية.أوالعبرية.

ربما هذا لا يهم الآن .ربما سيصفق الجمهور في قاعة العرض حينما يشاهدون جسدك العاري . ألأبيض كالثلج. وعليه آيات قرآنية. ربما أخرج بعضهم هاتفه المحمول. أو ربما آلة تصوير رقمية حديثة  والتقط صورة متميزة . لمكان متميز واليكن مكان عفتك .

ربما استحق فان كوخ جائزة أعظم عمل فني متميز لهذه السنة الثلجية. ربما ابتسم أمام عدسات الكاميرات العالمية وهو يصرح أنه فخور بهذا العمل النادر . ثم يدافع عن مذهبه الفني الجديد. الفن العبثي. أو ما يسمى في النقد الحداثي.جمالية البشاعة يذكرني ذلك بسميه حين. طعنت بالرمح في مكان عفتها.. اليوم فقط تتكرر الطعنة نفسها لكن طعنة بالفن في نفس المكان .

قالت طالبة الشريعة السمحاء بغضب وحقد متأجج . وقدمها تدوس الثلج وتطحنه .فيصير ماء:

 أنا أكره فان كوخ.. أكرهه.

قلت: وحقد دفين يستيقظ داخل قلبي المتعب:

هذا شأن النصوص الإباحية .

قالت: بارتياح :

ماذا تقول في قتله؟

لم أفهم ؟

 أقصد هل كان من الصواب قتله بتلك الطريقة ؟

قلت :فان كوخ هو الذي قتل نفسه. بل فنه البشع هو الذي قتله بالفعل.

-       قالت: كان عملا رائعا.

-       قلت : ربما صحيح ما تقولين.

سكتت، وسكت أنا تماما .ربما كنا نفكر في الشيء نفسه . ربما . وبالطريقة نفسها ربما. كانت قد ناقشتني في قضية الخبر العاجل الذي بثته قناة الجزيرة البارحة.

عن صحيفة :يولانس يوستن الدنماركية:jylland posten internetavien وصحف فرنسية وصحف أخرى صليبية. ديمقراطية.عن الرسوم المشينة لشخص الرسول صل الله عليه وسلم.وعائشة أم المؤمنين .

بكت بصوت مسموع. جلست وسط الثلج وراحت تعصر الثلج بقبضتها الضعيفة.والثلج يتسرب معصورا من بين أناملها الرقيقة.كان صوت سامي يوسف مايزال ينبعث من هاتفي المحمول. حزينا 

أو بالمصطلح الجنسي:المثلية-hommosexelle .حيث الزواج بالأمهات والإنجاب من الشــقيقة باسم الحرية الفردية. وحرية التعبير. أو بمصطلح سائق الطاكسي .الشاب الملتحي المكحل: مجتمع العتاريس .قالها وضرب بيده على طرف المقود أمامه متسائلا بغضب حاد:

-       كيف يهينون رسول الله صل الله عليه وسلم. ونحن لا نحرك ساكنا ؟

سكت تماما وقتها. إنكمشت على نفسي .وأنا أهز رأسي موافقة. أو ربما رحركة آلية صدرت عني لاتعبر عن موقف محدد.

تساءلت طالبة الشريعة السمحاء وهي تمسح دمعها:

هل بكى سائق الطاكسي. أقصد الشاب المكحل وقتها؟

أجبتها وأنا أناولها منديلا من الورق الشفاف لتجفف دمعها:

لا أذكر بالضبط. ربما بكى خلسة .سمعته يؤكد لي:أن البكاء عار آخر.

 ثم واصــلنا حوارنا عن حرية التــعبير والشذوذ الفكري.كما طلبت مني شروحا إضافة عن مفهوم جمالية البشاعة .فأخبرتها بما يلخص الفكرة في بعدها المعرفي التاريخي. ملخصة في مقولة اليشخ الجليل رحمة الله عليه : إبن جني  حين قال بالرجوع عند التناهي. كحتمية تاريخية وسنة كونية أودعها الله في خلقه. كمـيزان ناموسي له بعده الأبدي.فكان التناهي الحد  الفيصل مابين اليقيني واللايقيني. مابين النور الدنيوي

ونور اليقين. بين ظلمة الظلمة وبين نور الحق. ألذي لا ظن بعده. الغرب اليوم في بعضه تجاوز الحد الفاصل أي لامس نقطة التناهي .وهو الآن يرتد بقوة الناموس إلى بداية البدايات. وقوة اليقين الدنوي.الإيباحية. من العري إلى العري.ومن المشاعية إلى المشاعية ومن التراب إلى التراب. خلاصة الخلاصة : كل شيء زاد عن حده إنقلب إلى ضده.

قالت: الآن ربما فهمت .وابتسمت .بل ضحكت ضحكتها المعهودة . رنة فضة تدحرجت وقت السحر. قالت وهي تسوي خمارها على طريقة هايـدي .أغضضت بصري. تذكرت: والعين تزني:

ـ حدثني عن جمال  البشاعة في الفن.

قلت: أي فن ؟

قالت: بشاعة النصوص. كنت قدذكرت لي  بشاعة بعض الأعمال الروائية .

قلت : نعم . أذكر ذلك .   

أخرجت هاتفها المحمول .قالت :أتسمح لي بالتصوير ؟

قلت : نعم هذا يسعدني . لا مانع عندي.

فتحت عين الكاميرا. وبدأت تصور:

حدثتها عن موضة الروايات الإباحية. وقد ابدت سخطها

على تلك النصوص الإباحية .ووعدتني بأن تقرأ رواية : ذاكرة الجسد.  رغم تحفظها على بعض صيغها. كما كشفت لي احترامها وتقديرها لأحلام مستغانمي . بالرغم من مخالفتها في الكثير من أفكارها . أفهمتها أن الإختلاف مع النص وليس مع الكاتب. رفضي للنص معناه رفضي لصاحبه. لأن النص يخفي مؤلفه..

ᝏ̮سلاك الهاتف أو ربما الكهرباء. وأنا من تحت الفراش  يعصرني الحزن . يعبث بروحي الهم. وألعن الروس. ألعن فرقة الموت. ألعن الغرب الصليبي الحاقد . وأشهق. مذبوحا. وطالبة الشريعة تتمادى في ضحكتها العنقودية. التي لا تنتهي أبدا. وأنا الدوريش الفاني . أحلم بالبياض وبالبياض . أحدث نفسي . أنا الفاني في حضرة الضوء الآسر. أنا اليقين بعد الظن فلا ظن من بعدي.

 

يعاودني الصوت الجليل . يأتيني محمولا على عويل الريح في الخارج :

ـ أيها ألدرويش الفاني آسرك عشق الذات العليا .أفناك النور الآسر .فاخرج من الظلمة .تعيش.

أيتها الروح الطيبة في غيابات الثلج. السابحة في عالم البياض. بياض اليقين. تجلي قليلا.أرفعي روحي إلى مقاماتها المرتجاة ...

كأن الهاتف الآن يحكي قصتها . يعيد بلا ملل ما ثبته السرد . ما حكاه بياض اليقين .من الآن حكايات الظن الضنين. من الغرف المجاورة تتسلل إلى سمعي الآن حكايات العابرين . نزلاء قسنطينة. من الغرفة المجاورة لغرفتي ما يزال الحاج طاهر فرقاني يحكي قصة توبته. وعشقه الصوفي للرسول صلى الله علية وسلم. لذاك النور.

ربما هو الآن يأسره النور الآسر. يعذبه الوله.مثلي. يسكنه بياض اليقين مثلي . مثل طالبة الشريعة السمحاء.   كلنا يعبث بنا الوجد .وكلنا من تراب والتراب يغطيه الآن بياض الثلج. كما يغطي جسد هايدي...

آه  تذكرت هايدي المسكينة . تذكرت زميلاتها في جامعة غروزني. أكيد أنهن يبكين دون توقف. للمرأة مشاعر متأججة . أكثر من الرجل . وأسرع في البكاء منه.ولهذ ا يظل الرجل في حاجة إلى بكاء المرأة عند المصائب.

وبعض النساء لها هواية البكاء . بل بعضهن تمتهن البكاء .لا للتعبيرعن شدة الجزع . بل ترتزق بدومعها الكاذبة. فلا عجب أن ترى البكايات يتصدرن الولائم .يبكين ويصحن وينفش شعورهن. ويشققن الجيوب . ويخدشن الخدود. ويصفعن وجوههن صفعا مؤلما .ويضربن بأنفسهن الأرض و يتمرغن. يتقلبن يمنة ويسرة. :كأن الميت أبوها أو أبنها. أو عزيز لا يعوض.

ولا تتحقق تلك الحال المفرطة, المفزعة إلا بقدر المبلغ المدفوع من أهل الميت . ألذين عجزوا على الإتــيان

بمثل ذلك الجزع. والندب. المحرم. إلا أن مثل هذه الطقوس العجيبة قد خفت . أو أختفت في بعض الجهات . ربما للصحوة الإيمانية . ولوعي الناس بخطورة ذلك

الفعل الشنيع.

ولهذا كنت أرى في بكاء طالبة الشريعة وهي تبكي هايديتي القوقازية. فنا من نوع آخر. كان بكاؤها يعبر عن مستوى ثقافي متميز. أو ربما كان لبكائها طابع سياسي. كانت لا تبكي حين تبكي إنما تسرد بكاءها بطريقة عجيبة. وهي تشهق مخنوقة وسط الثلج. كان الثلج يزين بكاءها ببياضه.وبصمته اليقيني. ومنظر الطلبة من حولها وهم يلهون بالثلج .لم يمنعها من آداء بكائها بالطريقة الفضلة. ولهذا كنت دوما في حاجة إلى بكائها. كنت أبكي أحيانا بعينيها العسلوين. وأظرف دموعي من خلال دمعها. .كانت صوتي الذي أستعيره حينما أبكي على هايديتي القوقازية .

 

قلت لها بعد أن كفت عن البكاء . ومسحت آثار دموعها

-       أ شكرك على بكائك من أجل هـايدي .

-       قالت :

لا شكر على واجب يا أ ستاذ.هايدي أختي . القليل هذه الأ يام من يبكي أخاه في الله .

-       قلت: ربما هذا صحيح

-       قالت . بشيء من الخيبة :

-  ألذي لا يبكي الشيشاني .أو الفلسطيني. أوالعراقي التيلاندي.سيكون مواطنا نكرة ..ألذي لا يترصد أخبار الضعفاء ...

-قلت : ألناس اليوم منشغلون بقنوات الجواري والغلمان.

فهمت من كلامها أنها تريد أن تؤسس لفكرة عولمة الحزن .أو ربما أسلمت البكاء .كثقافة لمعايشة أحوال الآخر.

تساءلت وهي تضحك بصوت مرتفع. ربما تذكرت شيئا يسرها:

-       بماذا وصفت والدتك قنوات نيلسات:

قلت: تسميها قنوات الشطيح وارديح. 

مسحت دموع ضحكتها .نظرت  بعجالة إلى ساعة يدها:

قالت: أتركك الآن . أستأذن بالإنصراف ألآن. علي أن ألتحق بالمدرج.علي أن أستعد للإمتحانات.

ثم استدارت جهتي :

أعني بالدعاء يا أستاذي العزيز.فإني أراك من الصالحين.

قلت لها بيقين :

طبعا سأدعو لك .وسأوصي بعض الأساتذة .

فقط أعملي بجد. ربما نلت رتبة التفوق على الدفعة .وبالتالي فوزك في مسابقة الماجستير.

وعندها دمعت عيناها فرحا وقالت:

  اللهم استجب لأستاذي العزيز.

 أضفت: اللهم واجعلني المشرف على رسالتها

 ازدادت فرحا .قالت بما يشبه المناجاة:

 اللهم رب الشريعة السمحاء استجب لأستاذي العزيز.

ثم أضافت جملتها المعهودة :

-       أنت دليلي وموجهي في الحياة ..أنت القطب وأنا المريدة. ياسيدي فإني أراك من الصالحين.

ثم كررتها بالفرنسية كعادتها حين تريد التأكيد :

CEST TOI MON GUIDE A MA VIE :.

ثم سكتنا .رحنا نسرد كما تعودنا بعضا من صمتنا. بعضا من حلمنا..وربما بعضا من غدنا المتوقع.ولم نضحك هذه المرة .كما لم نبك أيضا هذه المرة. فقط رحنا نرتب ما بقي لدينا من أفكار نورانية .ونتواصل في عالمنا الخفي بنور الكشف ..نتهجى فلق اليقين ..ربما كنا وقتها أيضا نرقي نفسينا من وسوسة الظن .خارج اليقيني .شعرت وقتها أن نفسينا طارتا بعيدا ربما شرقتا أو غربتا تطلبان غذاءهما اليقيني. والمعرفي في عالم المكاشفة .والتبصرة .

الصور أمامي تتماوج و يحاصرها الضباب.. أتوسل للوجوه الوضيئة أن تبقى قليلا.. تدخل والدتي، تجلس قبالتي و تتابع في سكون و خشوع طقوسي الذاتية. والدتي تدرك جيدا تمزقي الباطني. تسألني أحيانا عن هايدي وعن جمالها الفتان, عن حلمها في أن تلتحق بجامعة قسنطينة .هل كنت تنوي فعلا أن تكون المشرف على رسالتها؟ ما موضوع أطروحتها ؟ لما لاتهاتف

طالبة الشريعة بقسنطينة؟لمالاتهاتف قناة الجزيرة لتزودك بالمعلومات اللازمة .ثم تظهر بعض الغضب وهي تهز رأسها:

- هذا تقصير من قناة الجزيرة . في حق هايدي المسكينة يرحمك الله يا بنتي خيتي.يا حبة قلبي. فجأة يرتفع شهيقها . يتحول إلى عويل. إلى غضب جارف:

- اللعنة على الروس الملاحدة  تفوه عليهم..

والدتي تلعن الروس منذ أن اجتاحت جيوشهم الشيشان . كما تلعن فرنسا التي قتلت أخي الأكبر أثناء ثورة التحرير الوطني .مازالت تؤمن بفكرة غامضة. تقول هذه الفكرة : كل من شهد المحتل الفرنسي للجزائر سيصاب بالعمى قبل مماته . ولا يجرؤ أحد على مجادلتها في فكرتها تلك. كلما فتحنا قناة من القنوات الفرنسية تصرخ فينا بغضب  حاد :

- غيرقناة الإستعمار ياولدي. إفتح قناة إقرأ.أو الجزيرة      أوقناة المنار. دعنا نسمع قليلا أخبار خوتنا الفلسطينيين.

ثم تسأل وهي تتبين بصعوبة قائمة قنوات نيلسات.

لقد ضاعت قنات فلسطين وسط زحمة قنوات الشطيح

وارديح .فترتفع القهقهات ويعلق بعضنا على عبارة : الشطيح وارديح .فتنتهرنا بغضب : والله يا جيل

حليب لحظة لو عادت فرنسا واحتلت الجزائر لا قدر الله. لاقدر الله. سوف تستقبلونها بالزغاريد. ستستعمركم هذه المرة  بالفيـزه فقط..أتريد أن تعمي إخوانك.؟ غير القناه ياولدي.

 وتواصل بكاءه الذي لا يتوقف منذ الإستعمار الفرنسي للجزائر. مازالت ترى الإستعمار الفرنسي في منامها .أحيانا ما إن تفتح عينيها صباحا حتى تبدأ تشتكي من ألم عضو من أغضائها , وهي تقول بيقين قطعي .البارحة في منام الله .ركلني جندي فرنسي هنا. أي والله يا أبنائي الأعزاء، هنا في هذا المكان بالذات . أنظر ألا ترى الكدمة الزرقاء . ثم تسرد الحادثة بسرد شيق . والدتي بارعة في السرد القصص . أتأسف أحيانا لأنها ليست كاتبة . كنت على يقين تام أن الإستعمار

الفرنسي خرج بالفعل من الجزائر. لكنه ما يزال في داخلها . يقيم بدباباته وطائراته. إنه يعسكر في أرجاء

نفسها المزحومة بالحقد والكراهية ألتي لا توصف . قالت مقولتها التي حفظناها جميعا :

فرنسا كالداء الخبيث يمكنك أن تتناساه قليلا لكنك لن تشفى منه تماما. قلت لها وقتها هذه فكرة لم يتوصل إليها أفلاطون يا والدتي. فصرخت في وجهي : من يكون هذا الأفلاطون؟

-       قلت بانقباض : ليس فرنسيا 

-       قالت بانبساط وارتياح : آه.. ظننته فرنسيا

ثم سكتت وسكت أنا تماما.

 تواصل بكاءها وذكر ما تعرفه عن هايدي. تهدأ قليلا.. تبدأ في سرد المنام الذي رأته البارحة :كيف كانت هايدي ترتدي فستانا أبيض. لم يكن لها حجاب ولا معطفها الكشميري ولا حتى خمارهاالعسلي. آه خمارها العسلي.

ولم يكن ثمة ثلج,كل شيء أخضر., نعم يا ولدي . كانت أجمل مما يتصوره العقل.. نعم ياولدي كانت كحوريات الجنة,وكانت هايدي.. آه يابنتي خيتي . كانت  تضحك.أي والله ياولدي هكذا ريتها في منام الله. نعم كانت هايدي تضحك بالفعل . ثم تضع يدها المعروقة على فمها.تكتم ضحكتها المعهودة..الضحك في المنام خير.ربما يدل على رضى الله . ربما. لا يضحك في الجنة إلا الشهداء، هذا الذي أقوله دائما.نعم . هايدي بنتي خيتي في الجنة . تحول نظرها من الحاسوب إلى وجهي أمامها:

أتذكر ياولدي خيي؟ ألم أقل لك أنني رأيت الشيخ يا سين     ليلة اغتياله يضحك ؟ كان الشيخ بلا كرسيه المتحرك . يمشي وسط الخضرة ويضحك. ثم تلعن اليهود ثلاثا.

ثم تضحك  ضحكتها المعهودة.

تلقي نظرة على  شاشة الحاسوب أمامي:

- هل سجلت في قصتك أنها كانت تضحك؟

- نعم دونت ذلك .

تقول والدتي: ناولني هاتفك ياولدي. أريني صورة طالبة الشريعة ..أريد أن أتفرج على ملامحها.

أفتح لها إيقونة الصور .أقرب صورة طالبة الشريعة

 أربع مرات:

- سبحان الخالق المصور, كأنها هايدي . تتأملها طويلا .وهي تردد مع نفسها :

  سبحان الله , ما شاء الله.

تعيد لي الهاتف :

- أريد سماع ضحكتها .

 أفتح إيقون الفيديو: طالبة الشريعة  تضحك بصوت رنان . مستغرقة في ضحة عتقودية . تجمع الثلج تجري.

تطارد الطالبات .تلاحقهن , تتعثر, تسقط , تنهض .

تزداد ضحتكها . تصير أنقى, أصفى . والدتي تضحك تصير هناك أمام كلية العلوم الشرعية . تلاحقها بعينيها, تضحك والدتي لضحكة طالبة الشريعة . تتماهى والدتي ببطلتي , تمارس الوهمي . والعجيب. والهاتف الآ ن يسرد.. يحكي  بالصوت والصورة الرقيمية قصة بياض اليقين .الهاتف يخرف ويحكي كذبتي الجميلة. يصنع وهمي . صار للهاتف مخيال مجنح مثلي . ووالدتي بدورها تتلذذ بالكذبة الجميلة . بمتعة المحكي . وترتدي بياض اليقين مثلي . مثل هايديتي .تردد والدتي مخاطبة

الصور الملونة:

يابنتي يا هايدي.. مسكينة هايدي تتأمل خمارها العسلي..عينيها العسلوين:

عيناك .. يا بنت البتول ..حمامتان وبندقيه

وتبكي. أخيرا والدتي تقول الشعر الحر .

أبكي بدوري . لما لا أبكي شهيدتي  الذاهبة إليها. لما لا أبكي وحدتي . عزلتي هنا أمام حاسوبي .منشغل بصناعة النص المترابط. تحسيب قصة هايدي .ما زلت أتبع لغتي. بين متاهات السرد . أنا المفعول به المنصوب بالظن ..المجرور بالوهم. أنا صفة الذات الفانية في كل الأحوال .فكيف الحال إذا كنت المائت ..وأنا نقطة  التلاشي  في بياض اليقين.

بي رغبة  بأن لا أعود إلى بداية السطر .أخشى العودة إلى نقطة الصفر .أرغب في أن أستمر في الكتابة .  أكتب نصا بدايته أنا  ونهايته هايدي,حبة قلبي. سواد

العين , خيط رفيع من الحبر. أحدّ من طرف السكين. له سواد شعرة الوصل. أسميه تلغيزا وصل العين بالعين.أوحلول العين بالياء.وسين.فحروفي أمة من نور.كما قال القطب الأكبر.. ورغبتي أكبرمني. هذه رغبتي. رغبتي أكبر مني . وحاسوبي أضيق من عبارتي.أصغر من همي. هذه الأسطر المسطورة هي الحبل االسري بيني وبين هايديتي. بياض اليقين. حبل  يغذيني بالوهم والعجيب .

أسميه أحيانا حبل الحكي..وأسميها ملهمتي. ..بي نبض الحياة . وبجسد هايدي المكلوم برودة الثلج . صمت الثلج. جليد القطب . أنا القطب الفاعل المنفعل.. ومن حولي يتخلق السرد. ينمو نص البياض .ليمنحني بياض اليقين. أنا اليقين بعد الظن .لا ظن من بعدي.. .

والدتي إلى جواري ساكنة تكفكف دموعها منذ أن مزقت بنادق الحلف الأطلسي جسد أخي الأكبر.. لا أطيق النظر إليها. قد توسع من همي و تضيع مني الصور القانتة.. تبكي أيضا سي الحنافي و أحيانا أخرى سي طارق محمد الذي اخترقته رصاصات الحلف الأطلسي

أيضا.. ثم تحرك الملعقة بهدوء و هي تحضر لي فنجان القهوة.. والدتي فقط تدرك الهم العالق بأبطالي المشــنوقين داخل أقبية أبو غريب أو غـوانتنامو. في السجون الأمريكية السرية عبر العالم . تبكي بغزارة عن الأخوات ربما لأنها أنثى مثلهن والله أعلم. ربما..

أذكر أنه قد أغمي عليها حين بثت قناة الجزيرة

 خبر إساءة صحيفة : يولانس بوستن الدنماركية-

posten internetavie .jyllands

كان خبر الرسوم المهينة للرسول صل الله عليه وسلم. كالصاعقة عليها. في بداية ألأمر تشنجت .واحمر وجهها.وتيبست عضلات وجهها. بشكل مخيف. ظهرت لنا كممياء فرعونية . وظلت جامدة بلا حراك. دقائق .ثم صرخت صرخة مزلزلة.كالذي رأى الموت بالعين المجردة , ثم أزبدت. وضربت بنفسها الأرض. وغابت لحظات.وقد أصبنا بذعر. ربما كانت بلا روح. جسد بلا روح..توقف قلبها تماما .وانحبست أنفاسها تماما.

تجمدت أطرافها. واعتقدنا .بل أكد بعضنا أنها ماتت .فارتفـع العويل والبكاء . وتدافع الجيران . وتزاحموا

ظنا منهم أن مكروها وقع. أو مصيبة لا ترد لمت بنا . فتزاحموا داخل البيت وخارجه مستفسرين . وألسنتهم لا تكف عن التضرع لله . مستسلمين لقدره الذي لا يرد . وراغبين في لطفه في ما نزل وحل ..ونحن على تلك الحال لا ندري ما نصنع ..هبت من رقدتها . أو كأنها ربما بعثت من موتها الغامض ذاك. وراحت تلعن الدنمارك وتلعن الدمقراطية بشكل هستيري مخيف. إعتقدنا في بداية الأمر أنه مس من الجن. حين سمعناها تتحدث باللغة الدنماركية ربما . أو ربما كانت لغة هولندية . فتأكد ظننا أن الذي حل بها يقينا هو ضرب من المس . وأن الصوت الذي نسمعه الآن هو صوت جن مسلم ربما. ثار غضبا وغيرة على الرسول صلى

الله عليه وسلم.. تراجع الجميع مذعورين . مفزوعين من هول المشهد. كانت والدتي التي هي الآن جن مارد في أوج غضبه . وهيجانه. يصرخ ويلعن الغرب .ولم

تشف من مسها ذاك إلا بعد أن رقاها شاب ملتح مكحل .قيل أن إن اسمه كاف لإفزاع الجن الكافر..شفيت والدتي بإذن الله تعالى . وظلت تروي بأسلوبها المتميز مارأته في مسها ذاك. .تحكي عن عالم الجن وعن عجائب والغاز خارجة عن المعهود والمنطق..ولم أتردد

في أن أسألها إن كانت رأت هايدي في غيبوبتها تلك..وهل ما حدث لها كان عالم الملكوت.أم تراه عالم الجن؟ ..ومع من كانت تضحك وهي غائبة . فاقدة لوعيها. أو ربما كانت بلا روح. هل كانت تضحك مع هايدي ؟ هل قالت لها هايدي كلاما محددا . هل سألتها عني مثلا ؟..هل كانت هايدي تضحك كعادتها؟ .لكن والدتي ظلت ساكنة ..صامتة .تحدق من خلال الجموع باتجاه شيء لا مرئي.. ثم ظرفت عيناها دمعتين أو ربما أكثر .لم تكن تبكي. ولم تكن حزينة وقتها. فقط كانت ساهية . شاردة .كالذي قدم غريبا على عالم الناس..كالذي بعث من جديد ..إحتضنتها .قبلت يدها كعادتي  حينما تحن روحي إلى عالمها الطاهر..ووضعت راسي في حجرها .ربما كنت وقتها طفلا صغيرا..تحرك حنين الأمومتي بداخلي ..راحت  يدها المعروقة تمسح على رأسي بحميمية .وعيناها شاردتان..

ضرب  الشاب المكحل على ركبتي بجانبه. بحميمية . كأنما يواسيني. أو ربما كان يعزيني في هايدي حبة قلبي. قال بصوت حزين :

كان الله في عونك يا أخي..ثم أوصاني بأن أواصل ترقية والدتي بأغاني سامي يوسف. قال وهو يبتسم هذه المرة:

لا بأس  يمكنها سماع سامي يوسف. بشرط على أن لا تنام إلا على شريط القرآن الكريم.

فقط شعرت وقتها بنوع من الرضى .لأنه بدأ يأخذ بطريقتي الجديدة في الرقية .باستعمال شريط سامي يوسف..الآن فقط تأكد لي أنني صارت لي طريقتي الخاصة في الرقية. .إلا أن الشاب المكحل ظل يعارض طريقتي باستعمال الموسيقى .لكن دون أن يصرح لي بذلك مباشرة . ربما كان يرى في استعمال  الموسيقى نوعا من الخروج عن الطريقة االمعروفة. وربما خروجا عن السنة الشريفة . وأن ما أدخلته على الطريقة هو ضرب من البدع الصوفية .لكني كنت أرى في تحفظه نوعا من النقد . وضربا من وجهة نظر فقط.. فقط جربت طريقتي تلك على بعض الأشخاص أصحاب النفوس القلقة وكنت واحدا منهم. وكانت النتائج ناجحة للغاية .لا يصدقها العقل أحيانا. من ذلك تجربتي  لصديق لي .اختل ميزان عقله فترة غير قصيرة..ورقي مرات عند أشخاص مختلفين في الطريقة .معروفين بورعهم .وتقواهم. ولم تفلح تلك المحاولات كلها..حتى رغب في طريقتي .فأعطيته شريط سامي يوسف :MYUMMAHبعد أن قرأت على سمعه ماتيسر لي منالقرآن الكريم.ووضعت له برنامجا لرقية عجيبة كما يسميها الشاب المكحل. وقد سماها صديقي المكحل القسنطيني. الرقية الصوفية.أفهمت الشاب أن يسمع سامي يوسف دون توقف .طول اليوم .أن يسد أذنيه بسماعات. فقط ويستمع بروحه..يسمع وهو يأكل وهو يعمل وهو يسير في الطريق.إلا في حالات دخول بيت الخلاء فإنه لايجوز له السماع قطعا.حتى إذا آوى إلى فراشه غير شريط سامي يوسف بشريط القرآن الكريم. فلا ينام إلا على القرآن الكريم .ولا بأس إذا نام فالينزع السماعتين من هو في خدمته ولتكن زوجته. يستحب أن تكون زوجته. وهو الأفضل والمسنحب في طريقتنا كما يراه إخواننا ومريدونا . والله من وراء القصد . وهو االشافي العافي لا شفاء إلا شفاؤه. وإذا أراد جعل السقم شفاء.والحزن فرحا. وهو على كل شيء قدير بيده الحول والقوة .وهو ربي لا إله إلا هو..

بعد أيام من تلك الرقية .جاءتني رسالة من الشاب عن طريق :SMSيقول فيها بالحرف الواحد: ألحمد لله رب الشريعة السمحاء.لقد شفيت تماما.جزاك الله عني يا قطب زمانه. وحجة دهره. ثم وقع رسالته بعبارة: أني    أراك من الصالحين..

  أيضا شفيت والدتي.. لكنها ماتزال تشك في الخبر العاجل الذي أذاعته قناة الجزيرة عن موت هايدي. تقول مثلا : هذه المرة أخطأت قناة الجزيرة .في حق هايدي بنتي المسكينة  ياخيتي بنتي. من قال أنها حاولت تفجير نفسها داخل مسرح موسكو. المسكينة لم تر موسكو أبدا.  

أذكر جيداأنها بكت يوما كاملا حين ا ستشـهد  الشيخ ياسين كان خبر استشهاده أفظع من زلزال الأصنام. حتى فكرت في أن تلبس الأسود.. لكنني أفهمتها أن الرثاء ليس دمعا صامتا ، و لا ارتداء الأسود. إنما هو جفاف و غليان في القلب لا تطفئه بحار هذه الأرض...

 تخرج والدتي.أسرع بدوري أفتح كل المواقع الإكترونية وإلإشراقية الصوفية . أطرق كل المقامات

الخاص بي.. أنا وحدي أملك مفتاح السر.وشفرات الوصل والكشف.إحساس غامض .أو هاتف خفي .يهمس من وراء الحجب. يؤكد لي أن جنازتها تحركت الآن بالضبط. أركز.أغمض عيني لأرى داخلي.أقرأ سورة الإخلاص. سورة الناس وسورة الفلق. ينفلق أفق نفسي الخفي .ترفع الحجب.تزال الأستار . أستار الظلمة .تنكشف لي عين اليقين . بياض كفلق الصبح . صبح الأصباح  . أناجي رب الشريعة السمحاء . أن يمنحني نور الكشف . خيط الوصل. تزوى لي أرض الشيشان .أفتح عيني الآن بيني وبين النعش المحمول مسافة الهمس . أربعة رجال يحملون حبة القلب وسواد العين .في النعش البسيط .متعثرين بكتل الثلج  يتبعهم كلب عجوز.ووجهها نصب

 السماء .مكللا بنتف من عهن الثلج .لم تكن تضحك . كانت مسبلة الجفنين المكحلين بالصفعات..صوت الرجال المنهك بالتكبير . يشعرني بأني خارج ذاتي. أنا لست أنا .أنا الفاني .في حضرة الضوء المستور.أمشي خلف النعش محمولا على الظن .أتبع لغة الحكي .لاأدري إن كان حلولا . أو وهما .ألذي أعرفه أنني أمشي وراء  النعش. فقط أبكي , عيني على النعش ..على الجسد  الفاني. المهتز داخل النعش البسيط.

أشيع بطلتي أو وهمي.فكرتي. ربما روحي . فقط أبكي.. الرجال يكبرون الله في عليائه ,وأنا وحدي أبكي وأتميز من الغيظ , من الفيض.وأدعو الله رب الشريعة السمحاء..

 

يهتز الجسد المسجى داخل النعش. فتهتز روحي .تتعثر كلماتي داخل سوادها .فقط أبكي على نفسي أو على بطلتي الذاهبة إليها. عيني على النعش . على البياض

المهتز.داخل النعش. سواد السرد يزداد   قتامة.

وأنا ضرير أتبع لغتي , لغة السرد. تكتبني لغتي .تلبسني سوادها  وسط الثلج. بعيدا عن قسنطينة وطالبة الشريعة السمحاء. أكبر الله في عليائه. رب السحاب ورب الثلج. ثم  أدندن بأغنيتي المفضلة :

عيناك ..يا بنت البتول ..حمامتان وبندقيه

ولا حمام في سمائي. الثلجية.غير غربان النحس ودبابات الروس ألرابضة أمام باب المقبرة المنسية وسط الثلج. وجنوديرتجفون من البرد . ويدخنون سجائرهم الرخيصة .ينفخون في أكفهم ثم يفركون أيديهم ويواصلون تحديقهم باتجاه النعش البسيط .تدور أعينهم كالمغشي عليه من الموت.

 

أنتبه لذاتي .ألتفت إلي.أناهناك  خلف النعش البسيط أجتهد في اللحاق بالرجال الأربعة الذاهبين بهايديتي . درة القلب. ياقوتة الثلج. بياض اليقين.أجر قدمي كالضرير. كالذاهب إلى مقصلة الإعدام. فقط أمــشي

وسط الثلج. وسط التيه.أحاول أن أحافظ على نسبتي هناك. أنا هناك وبعضي الآخر هنا. أمام الحاسوب. منهمك في تحسيب الحكي. مازال جسدي الفاني أمام حاسوبي. تثاقل إلى الأرض. عيني على النعش , نعشي أنا .قريبا سأواري بطلتي .الرجال  الآ ن يقرأون سورة يس . وأ نا أكتفي بالبكاء ,وأدندن مع نفسي :

عيناك.. يابنت البتول.. حمامتان وبندقيه

وألعن الروس ألعن الكريملان. ألعن أمريكا الشيطان الأكبر.آفة العصر.وباء الدهر. ألعن الغرب الصليبي.قاتل هايدي .سواد العين. 

أصرخ بصوت جمده الجليد داعيا الله في عليائه. رب السحاب والثلج.رب الشريعة السمحاء: اللهم يارب الرياح والسحاب يارب الثلج الأبيض :

إبعث على الروس السحاب الأحمر..وعيني على النعش وأنا أبكي ..اللهم طيرهم بالريح العاتية. واجعل موسكو قاعا صفصفا لا أمتا فيها. اللهم سلط عليهم جنودك :

Katrina  ;ivan  ;mitch  ;andrew ;charley;  rita ;ophélia

يأتين هسيس الثلج بياض اليقين .حزينا وهو يؤمن على دعائي. الثلج حزين الآن .كم أتمنى الآن أن تكون معي طالبة الشريعة . تمشي إلى جانبي وتبكي مثلي .أرغب

في سماع نحيبها . لبكائها شعور غامض في نفسي. هي تحب  هايــدي مثلي .صنعت لأجلها رجلا من ثلج وأعطته بندقية وشالا . وأعطته كلمة السر. قالت له :

سرعلى بركة الله رب الشريعة السحماء . وبكت  وقتها بحرقة. ربما هي الآن تفكر بنفس طريقتي ربما . 

فقط كان عليها أن تكون معي في هذه اللحظة العصيبة .

   أعرف أنه لايجوز شرعا أن تمشي المرأة في الجنازة .

لكن جنازة بطلتي ليست ككل الجنازات . كان علي أن أفتيها في ذلك . هي في حاجة ماسة الآن إلى فتوى تبيح لها المشي في جنازة هايدي. حبة القلب . ودرة الثلج. هذه ليست جنازة عادية . هذا يوم قد تباح فيه المحضورات . تنتهك فيه الأعراف والقوانين المجحفة.ربما في لدن خرج آ لاف  المتظاهرين المعصبين بعصبات خضر كتب عليها بخط أبيض بياض الثلج:كلنا مع هايدي. في روما في فلسطين . حشد هائل من طلبة جامعة القاهرة جامعة دمشق في جامعة بير زيت .في جاكارتا. .خلق هائل من البشر لبسوا البياض خرجوا يهتفون بحقوق المرأة  .ربما ستعلن الأمم المتحدة

   يوما للحداد حزنا على مقتل هايدي . واستنكارا  بما   ترتكبه فرقة الموت.يهتفون بموت الفنان الهولندي : فان كوخ. ربما .

هذه المرة لن تستعمل أمريكا الفيتو . أقول ربما. ولما لا؟ ربما.

ربما ستعلن اليونيسكو جامعة غروزني معلما حضاريا يخلد ذاكرة الإنسانية. ربما .

ربما تمنح منظمة اليونيسكو دكتوراه شرفية لهايدي حبة القلب. أقول ربما..ربما..

الآن أقف على رأس قبرها وأقول لنفسي التعسة :

 قفي نبكي ياسواد العين على طالبة القوقاز .

أقف على قبرها .أرفع حفنتي باتجاه السماء الثلجية أقرأ.  على روحها الطاهرة الفاتحة وسورة العصر .وأسمعها

.. ربما تسمعني الآن مقطعي المفضل من الشعر الحزين :

عيناك ..يا بنت البتول ..حمامتان وبندقيه

أصاب بالدوار.بالظلمة تسد الآفاق .تسد عيني.

ركبتاي مشلولتان الآن. أنزل أرضا . ألثلج هش تحت

ركبتي . أغوص .أقبض على الثلج.. .أملأ قبضتي ببياض اليقين. أعصر البـياض.أعصر الماء المتجمد

.بقبضتي.أنهش الثلج.أغرز أسناني في كتل الثلج

المتجمد  .أشعر برغبة جنونية في الإنتقام .من أي شيء .أشفي نفسي من نفسي.أخرج ذاتي الفانية  من ذاتي الطينية .بي جنون البياض الآن. وحكمة اليقيني. أنا القين بعد الظن . لا ظن من بعدي.

ثم أبكي وحدتي. يتمي.أغوص رويدا رويدا .أسند رأسي

المسكون بالضجيج . على القبر الثلجي ألحم سمعي إلى الثلج .أتصنت للصمت الطالع من قبرها أو قبري.أهمس من خلال الثلج:

  عيناك .. يابنت البتول ..حمامتان وبندقيـه

   يا بنت الشيشان . آه وأبكي يأتيني الصمت . يتسلل

البرد.يسكن رأسي.المسكون بالوهم.الصمت يحكي    صمته . والبياض من حولي صمت . وحدي وسط

الصمت  ولا غيري . ياغيري .وحدي أنا طواني النسيان ولا إنسان حولي.أناجي بياض الصمت .فألقاني  أناجي نفسي  بنفسي.

أنا الآن ضدي وبعضا مني ..وضدي الآن غيري  في ذات غيري .. لكني وحدي أنا اليقين بعد الظن  فلا ظن من بعدي ..أنا الفاني في حضرة النور الآسر . وربما

غيري..أقف الآن أعد قوافل الراحلين عبر النور الآسر. ولا أعد نفسي. أنا الآن بعضي الفاني وقبرها  بعضي.. أجمع الثلج من حول قبرها. وأشكل رجلا من ثلج أضعه شاهدا على قبرها الثلجي. أنزع زرين من سترتي الشتوية . اثبتهما على وجهه . أمنحه عينين. أثبت له

قلمي على وجهه فأمنحه أنف بينوكيو ..أجري متعثرا بين القبور أبحث عن عود . أو خشبة .ثم أعود وأنا أشهق . غصة تخنقني . أعلق له العود اليابس . فأمنحه بندقية .ربما كلاشنكوف ربما .وأجلس إلى جواره ننظر

في صمت إلى قبرها أمامنا. ننتظرهمسا . أو هسا يتسلل من تحت الثلج. من داخل القبر. 

الآن هايدي تسأل في غيابات الثلج. وحدها . وأنا وحدي أمام حاسوبي أبكي .بعيدا عن الثلج.بعيدا عن قسنطينة .ومن حولي يتخلق سواد السرد. وحاسوبي الآن يحكي  قصة هايدي الشيشانية.شهدكا الثلج. ياقوتة البياض. بياض اليقين.

مدينة قسنطينة الآن أيضا ترتدي سوادها الخاص,رغم بياض ثلجها .قسنطينة حزينة أيضا. تتخلى عن جمالها إلى

حين..تخلع شعريتها .في لحظة انكسار. هي مثلي  مكان يملأه الفراغ . يسكنه الصمت. هي الآن فكرة معلقة بين جسورها  المعلقة.مثلي . شوارعها تلغي إلى حين زينتها. والفتيات لايضحكن إلا قليلا, فقط يضحكن لتوقيعات تواصل عابر. لإبتسامات فتيات قسنــطينة الآن بـلاغة

الحزن وتوقيعات الترقب الذي سيخلف الثلج حين ذوبانه.حين يكتشف الناس  لون التربة التي غيبها الثلج .حينا من الدهر.. حين ألبسها بياضه. بياض اليــقين

ربما  لن يعود الثلج بعد اليوم. أوربما يسـقط الثلج

بلا بياضه. الثلج القاني. في الشيسشان..يلبس الثلج  لونه القاني. يتخلى عن بياضه. قليلا.ربماالآن يســقط الثلج القاني في غروزني.ربما..ربما الآن طالبة الشريعة تجلس أمام كلية العلوم الشرعية بقسنطينة تنتظرني .هي قالت سأنتظرك هنا وأشارت إلى جانب رجل الثلج. ربما

أقول ربما. هي الآن تنتظرني وتبكي . قالت بإصرار لو تأخرت سأبكي.. يقينا وسأمارس حزني.أنت تعرف كم أنا حزينة للغاية يا أستاذ. نعم سأبكي . ربما هي الآن تبكي من أجلي . أو ربما من أجل هايدي. هي تحبها مثلي.قالت لي يوما مؤكدة : أنني أشعر بإحساس غريب . وغامض تجاه هايدي.

    قلت لها : أنا أيضا أ شعر مثلك بشعور غامض تجاهها

. قالت:  ربما  يعتلينا نفس الشعور تجاهها. ربما.

قلت لها: ربما هذا صحيح.

قالت بذهول كالذي ضيع ذاكرته: لا أدري ياأستاذ ربما.

ثم سكتت وسكت أنا تماما . ورحنا نتأمل  تقاسيم مدينة قسنطينة الغارقة في بياضها .والمتدثرة في ملاءتها السوداء. منذ فجيعتها التي حدثت. كنا صامتين , نتهجى

صمتها المطبق. نقرأ أسرارها. .قسنطينة هكذا إذا لم تحاورها . حاورتك سرا. وإن لم تبح لها بأسرارك . تكشف لك هي عن بعض أسرارها في لحظة غفلتك.. .

يوم دخلت قسنطينة وكان الوقت مساء. والثلج  يبيض وجهها. قلت وقتها لسائق الطاكسي ونحن نغادر مطار عين الباي إلى قسنطينة:

الثلج مكياج قسنطينة . من أراد أن يعرف قسنطينة على حقيقتها فالينظرإلى  بياض ثلجها.

قال السائق وهو يتطلع إلى وجهي في المرآة العاكسة :

نعم .هذا ما أقوله دائما .

نفث دخان سيجارته الرخيصة .باتجاه المرآة العاكسة فاختفت صورتي في المرآة .

قلت وقد شعرت  باختناق قاتل  بسبب رائحة الدخان الرخيص أقصد بول الشيطان:

من أراد أن يعرف قسنطينة على حقيقتها فاليقرأ عنها رواية : ذاكرة الجسد.ومن أراد أن يعرف ثقافة الثلج فاليقرأ رواية: الثلج يأتي من النافذة.

قال السائق : نعم ياأ ستاذ. هذا الذي أقوله دائما.

ثم واصل يراقب وجهي في المرآة العاكسة فوق رأسه. كانت الغيمة الرخيصة قد انقشعت قليلا.

قلت وأنا أراقب بياض الثلج عبر نافذة السيارة :

-       هل قرأت رواية ذاكرة الجسد ؟

قال بعد تردد .وقد انتابته نوبة سعال حادة :

لا أقرأ  L’arabe  يا أستاذ.

 

قلت : إذن أنت مفرنس على مايبدو؟

 قال بتردد: لا ياسيدي لاأقرأ الفرنسية . أتحدث بها فقط.

ثم أضاف بزهو وعيناه تتطلع إلى المرآة العاكسة:

-       المهم انسلك را سي.

ثم أردف كالذي يحدث نفسه في صحراء :

-الفرنسية هكذا ياأستاذ نتوارثها كالعادات القبيحة .أبا عن جد.لا نحتاج إلى تعلمها في المدارس. إنها تشبه عادة التدخين ..يصعب التخلص منها. أتفهمني يا أستاذ؟

كنت أعرف أنه الآن يكذب .ربما هو الآ ن يكذب بالفعل.

يتبين ذلك من أحمرار غذرفي أذنيه. هو الآن  كالطفل الذي يصنع الأعذار.وينكمش على نفسه , خشية صفعة

مفاجئة تعيده إلى صوابه. ربما هو الآن طفل بالفعل.

سكت وسكت أنا تماما . ظل جامدا خلف مقود سيارته.

  ينتظر صفعة على قفاه العريض.

   ثم بادرت بتصويت الصمت الذي ملأ جوف السيارة

-من فضلك أسرع أكثر . خذني إلى فندق يطل على الثلج مباشرة .لقد بدأ الظلام يخفي البياض .

 أسرعت السيارة أكثر .كنت أسمع شفط الثلج تحت بطن   السيارة . وهي تسحقه بقوة. استسلمت لشريط صور سريعة , متلاحقة: هايدي  في قبرها الثلجي  الآن. وحدها. وطالبة الشريعة.أين تكون طالبة الشريعة الآن ؟ هل مازالت بجانب رجل الثلج تنتظرني وتبكي؟ هي قالت إن تأخرت سأكون حزينة و سأبكي.

هل ذاب رجل الثلج وجرى ماء؟ . ربما هو الآ ن

ينتظرني بدوره. ويحكي لطالبة الشريعة قصة هايدي ربما..  هكذا كنت أفكر: عندما أعود إلى مدينتي . إلى

  جامعتي.. سأحكي أنا أيضا مثل رجل الثلج قصة هايدي لطلبتي. سوف أقص عليهم قصتها من البداية .

أكيد أنهم سيترجونني يقولون بإلحاح : من فضلك ياأستاذ قص علينا قصتها. سأضيف إسمها إلى قائمة 

 اسماء طلبتي. وسأخصص لها كرسيا يليق بها .

سأجعل مكانها أمام مكتبي تماما, ربما.. ربما لن أعاتبها

 إذا ما ناديت على الطلبة لأسجل الغيابات ولم تقل :

حاضرة ياأ ستاذ . ربما أنا وحدي سأبرر غيابها أمامهم. ربما سأقول لهم تأخرت هذه المرة فقط , لكنها ستأتي قريبا ربما . وربما دمعت عيناي..ربما بكت الطالبات      إشفاقا لحالي. أو ربما حزنا على هايدي. ربما. بكينا جميعا وبلا خجل. وسأسمح لبعض الطالبات أن تسمعنا بعض محاولاتها الشعرية الركيكة في رثاء هايدي إذا ما رغبت في التعبير عن مشاعرها . ربما ..