رمزيـــة الجاحظية أوالمــــــقام الزكي

 

                   رمزيـــة الجاحظية أوالمــــــقام الزكي([1])

 

                                                                           أ.د.عميش عبد القادر

                                                                               

      ... يقول عمّي الطاهر"الطاهر وطار" مايبقى في الوادي غير حجارُ. الطاهر وطار الروائي الجزائري الراحل أيضا كغيره من المثقفين العرب الذي ظل شقيا،شقاء المثقف العنيد الرافض لوصية الادارة السياسية.مشاكسا مثل أبطال رواياته.كما كان يدرك بيقينية المثقف الشقي أن الكراسي زائلة إما بفايروس الانقراض البطيء أو بفايروس ربيع أو شتاء  شعبي عاصف لايبقي ولايذر.وهكذا ذهب الطاهر وطار وظلت "مؤسسته الثقافية الجاحظية"في قلب العاصمة الجزائرية. شاهدة على مبدأ:"مايبقى في الوادي غير حجارُ"

     ماذا بقيّ بعد رحيل عمي الطاهر؟ وهو الذي ظل يكرر بيقينية الكاتب والمفكر البصير بما يجري من حوله وبما يستشرفه من أحداث وتغيرات سواء على مستوى الساحة السياسية أو على مستوى فضاء الكتابة والإبداع.ظل يكرر شفرته الإستشرافية:"ما يبقى في الوادْ غير حْجارُه" وهي الشفرة التي لقّنها بطل روايته "اللاز".مع علمنا أن ما تتلفظ به شخصيات الرواية وخاصة بطلها ما هو في التحليل النفسي الأدبي سوى صوت وفكر الكاتب الفعلي بشكل معدل فنيا وإبداعيا.

   ونحن بدورنا نكرر وعلى إيقاع عمي الطاهر ماذا بقيّ من عميّ الطاهر بعد رحيله  وبعد أن غيبه الموت؟ ولن نجد غير تكرار مقولته/الشفرة، مايبقى بعد غيابك ياعمي الطاهر غير مقامك الزكي كما تعوّد مريدوالجاحظية وقاصدوها تسميتها.كما بقي وهذا الأهم مريدوك الصادقون الثابتون على نهجك الحافظون والحافظات لعهدك ونهجك .المسكونون أبدا بمس الإبداع اللطيف.هذاما بقيّ من عمي الطاهر.إنه مقامه/الصرح الثقافي/الجاحظية. محج المريدين المسكونين بهاجس الكتابة والإبداع .الصامدين في زمن اختصرالفعل الإبداعي وانحصر في مؤسسة الجاحظية دون سواها،وسواها هباء وخواء.هذه المؤسسة التي تشبه خلية نحل تشتغل في صمت وبتواضع شديد، كتواضع الحي الشعبي الذي كان عمي الطاهر يفتخر به وبوجود مقر الجاحظية فيه.مقر بسيط  وسط حي بسيط وشيخ(الطاهر وطار) بسيط من حوله كتاب وكاتبات سمتهم البساطة والتواضع الشعبي، يختلفون في الأعماروالتوجهات الفكرية والإيديولوجية ، لكن تجمعهم سمة البساطة.يختلفون في التوجهات والإيديولوجيات التي تتربص بأصحاب النفوس الأمّارة بالفرقة والعداوة والبغضاء.يختلفون خارج المقام الزكي/ الجاحظية .لكن ما أن يحتضنهم المقام ويجتمعون فيه مستمعين متأدبين في حضرة شيخهم الوتد. حتى ينسون تلك الاختلافات.في حضرة الشيخ أو حتى في حضرة المقام فقط يتأدبون،وقد يختلفون وقد يهمُّ أحدهم برفع صوته في وجه أخيه ولكن فجأة يحجم ويمسك نفسه عند الغضب، فقط لأن للمقام قدسيته ولأّن للحضرة هبتها،كيف لا وقد آخى عميّ الطاهر بين الأعراب المتناحرين المتحاربين في أقرب شارع من المقام وليكن شارع ديدوش مراد.كيف لا وقد أرسى عميّ الطاهر شعار "لا إكراه في الرأي".وقد أضحى الخلاف في الرأي في زمن السياسات المتخلفة أشدّ فتكا من الخلاف الديني.كيف لاوالجميع يعلم أن من دخل مقام الجاحظية الزكي فهو آمن.آمن على رأيه وعلى فكره واعتقاده وإبداعه.

    إن ما أنجزه عميّ الطاهر مع ثلة من المثقفين المناضلين في صمت ،في زمن المحنة عجزت عنه المؤسسات الرسمية الكبيرة .فقط كانت الجاحظية وبما يتسم به الطاهر وطارمن صرامة في الموقف والصراحة التي تشبه طلقة مباشرة.من بندقية بدائية إذا انطلق محشوها فإنها ترعب وترهب .بهذه الصرامة استطاع عميّ الطاهر أن يفرض نظاما يتقيه الجميع كما يشعر الجميع بالآمان والتساوي في ظله.ومع تلك الصرامة يظل عمي الطاهر يسمع للجميع ومع تلك الصلابة في مواجهة الآخر يظل عميّ الطاهر ينكت مستعينا وممتعَ السّامع بنكة لها هويتها العاصمية أو نكهتها الشاوية وكأنه يشير بذلك المزاح إلى طينته الطيبة،وكأني به يقول :  هكذا هي  سنة الحياة وديدنها ،الجامعة بين نعومة الحرير وصلابة الحديد كما يقول محمد إقبال.وهو يفلسف الحياة.

       إن المفلت للإنتباه أن عميّ الطاهررغم تمسكه الشديد بأ فكاره وإيديولوجيته ظل منفتحا بثقافته وفكره على الآخر المخالف له ،لأنه كان يرى في خصومه خصوما وليس أعداءً يجب محاربتهم ومجاهدتهم،أو حتى إقصاؤهم. وهذا الذي عصيّ فهمه على الكثيرمن الإستئصاليين من الطرفين.حتى تساوى في فعل الإستئصال  والتناحرالمثقف بالجاهل.والمثقف بالسياسي.

     لقد أدركتُ هذا فقط حين انضممت لمقام الجاحظية، وقتها فقط لاحظت أنّ المتواجدين بمقر الجاحظية لايشبهون الآخرين خارج الجاحظية، بل لايشبهون حتى أنفسهم حين يخرجون إلى أقرب شارع من مقر الجاحظية،وذلك سرّ المقام وحكمة شيخ المقام وقطب مريديه. لقد اختصرت هدنة الجزائر ووئامها ووطنيتها  وسلامها في هذا المقام الذي تآخى في حضرته الجميع.

     والعجيب والذي ليس عجيبا في شخصية عميّ الطاهرهو ألذي اكتشفته ربما متأخرا وهو حين كنت أتصفح العدد الخامس والثلاثين من مجلة التبيين .وحين قرأت قصة قصيرة لعميّ الطاهر.عجبت لما تضمنته تلك القصة من أفكاره الثابتة أبدا ،يكررها في حديثه اليومي وفي كتاباته.أقصد فكرة التآخي وجمع الشمل ونبذ التفرقة.فقد استشرف في تلك القصة التي وسمها بـ: "يوم مشيت في جنازتي ومشى الناس."

جاء فيها:"بعضهم بلحى سُنّيّة وبعضهم الآخربلحى غيفارية،بعضهم يتجلبب بقمصان طويلة مختلفة الألوان،وبعضهم يرتدي سراويل جين وقمصانا رزقاء،بل إنّ بعضهم تجرأ ووضع رباطة عنق حمراء في عنقه،في حين وضع بعضهم قبعات حمراء على رؤوسهم،كان تحديا صارخا من هؤلاء وهؤلاء"([2]).

   فبهذا الاستشراف الفني كان عميّ الطاهر يرى الجزائريين واقفين في نقطة واحدة أو في صعيد واحد .برغم تبايناتهم الحادة أحيانا ومظهرهم الدال على درجة التناقض مابين عصري متشبّع بالفكر الغربي وآخر سلفي معتزبتراثه.وفي قلب كل واحد منهم احترام الآخر وحب الجزائر.هكذا كان عمي الطاهر مقتنعا بمبدإ الإختلاف  في الرأي الذي يراه رحمة وثراء فكريا وثقافيا وانفتاحا على الآخر ،وحرية هي حق لكل جزائري،فقط "ألاّ إكراه في الرأي".وذلك حقا هو مبدأ الكاتب المثقف الذي يؤمن بحتمية الصراع الشريف والمنازلة الفكرية الثقافية النزيهة في ساحة الكتابة، والكتابة وحدها فقط.وفي ذلك فاليتنافس المتنافسون.ومع دورة الزمن واكتمال النهاية.يكون البقاء للأصلح.وحده القادر على البقاء صامدا رغم التيار الجارف.كالحجر الأصمّ وسط النهر المتدفق.

    "مايبقى في الواد غيرحجارُه".قالها شعارا وتغنى بها مبدأ.وبلّغها رسالة وعقيدة ثم رحل على وقعها صامتا محتسبا.بعد أن ترك حجرا ليس ككل الحجر،ترك مقام الجاحظية مؤسسة ثقافية،وبيتا يأوي إليه كل مبدع مغبون،طرق كل أبواب النشر أو الطبع فألفاها موصدة دونه،متنكرة..فطرق باب الجاحظية ،مقام المريدين الأخيارفألفى سيدَها عمي الطاهر لدى بابها المشرع أبدا.فيحتضنه عميّ الطاهربحرارة الكاتب المجرّب،المسكون بمعاناة الهم ّالإبداعي،فيسمع له كمتلق وليس روائيا هذه المرة.مشجعا ومواسيا، يفعل ذلك بحميمية الروائي المجرب الذي يعرف جيدا أن الطريق الموصل للكتابة شاق ووعر،فيه من المذلّة والتهميش ما يكفي لأحداث نوبة جنون لا شفاء بعدها.وفي مجتمع  يرى في شخص الكاتب نكتة تأكل الطعام وتمشي بين الناس في الأسواق.في زمن صار فيه الحديث عن الثقافة والكتاب بالذات "حشمة"باللهجة الجزائرية الدالة.يفعل ذلك عمي الطاهر وهو يدرك أكثر من ذلك الشاب الملهوف الذي آوى إلى نار قِرى مقام الجاحظية أن خزائن المقام فارغة وأن لاعطاءات تمنحها الجاحظية لهؤلاء الذي هرعوا إليها بعد يأس،يدفعهم جنون الكتابة ومسُّ الإبداع.كان عمي الطاهر يفعل ذلك بيقينية مفرطة ،وهو موقن بأن مسافة الرحلة قصيرة وإن مدّدتها الآماني،والأجل قصير،أقصرمما يأمل الآمل،فقط العبرة بالخواتم والنهايات التي سترسخ حجر الخلود في قلب النهر الجاري.أوالوادي الجارف،الذي يجرف كل غث ومتاظر بالسمنة الكاذبة المخادعة.وما أكثر أعجاز النخل الخاوية في زمن خلا تماما أوكاد من الأحجار الراسخة المقاومة للتيارات الجارفة.

   كان عمي الطاهر يدرك بفطنته وتجربته الإيديولوجية والثقافية الروائية أن الرجال زائلون لأنهم ليسوا جبالا رواسخ،ومن ثم عليهم تخليد انفسهم الهالكة بما هو أرسخ وأشم من الجبال..والأبقى والأرسخ من الجبال لايكون إلاّ نصا جميلا فاتنا،وكتابا يتلا ليواصل حكاية من ألفه ،ومن ضمنه بعضا من روحه وجهده وفكره..لقد صمت عمي الطاهر وإلى الأبد بعد أن نطق دهرا كتابة وإبداعا ،تاركا أعماله :"رمانة"و"دخان من قلبي""اللاز"و"القصر والحوات"و"عرس بغل"و"الشمعة والدهاليز"و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"وأخيرا روايته الأخيرة"قصيد في التذلل".هي أعمال عمي الطاهر الروائية التي سيظل عمي الطاهر يخاطبنا من وراء ستار لغته، فقط هذه المرة ليس بصوته وإنما بفكره وأصوات أشخاصه المشاكسين مثله، المسكونين بعناده،والذين أودعهم سرّ ارتحاله:"لاإكراه في الرأي".قالها ثم رحل.

  فهذه "لاإكراه في الرأي" هي خلاصة تجربة نضالية وإبداعية.إنها تجربة عمر مثقل بهموم الوطن ،ومعلّم بوشم القهر وجراحات الوطن الجزائر التي لاتعدّ.ولاشيء أنفع وأبقى شاهدا ومعلما على   الهم الوطني/الجزائري، كالكتابة الإبداعية/الروائية.فعمي الطاهر يرى أن السبيل للتوحد بالآخروالوطن والكون هو فعل الكتابة والكتابة وحدها. يقول عميّ الطاهر في حوار له:"..أنا أكتب أولا وقبل كل شيء لأكشف عما أعانيه داخليا..وطبعا عندما أتحول من الإبداع إلى النقد أو إلى التنظير أقول إنّ الإبداع هو عملية إرسال لنبضات أرواحنا وقلوبنا إلى الآخر."[3]

   هكذا يرى عميّ الطاهر فعل الكتابة ،يراه نبضا وعطاء يؤسس لعلاقة ثقافية وفكرية مع الآخر.ومن هنا تكون الكتابة لديه عملية إشراك الآخر/المتلقي في الهم الذاتي،كما تكون في الوقت ذاته حوارا تقاطبيا بين الذات الباثة والذات المتلقية،لأن الباث ذات إنسانية قبل أن تكون كاتبة وهي من ثمة مسكونة بالآخر،تجد راحتها في مكاشفته وإشراكه في ما يشغلها.وفي ما تتطلع إليه.وتستشرفه.

ومن هنا يرى عمي الطاهرأن الكاتب لايمكنه إلاّ أن يكون محتويا للآخر،مشمولا برضاه،وهذا ما يجعل عمي الطاهريرفض فعل الإقصاء الذي إرتضاه البعض عقيدة ومبدأ،حتى صارلديهم عقدة مرضية تنخر أنفسهم المريضة.لازلت أذكر أنه كررها وهو يخاطبني ونحن نرتشف شايا في بيته أياما قبل وفاته: ياعزيزي ـ قالها وهو يربّت على ركبتي ـ أنا موجود بوجود الآخر.بدونه أنا غير موجود.هكذا ظل عميّ الطاهر يمقت الاستئصاليين الحاقدين على غيرهم من دون سبب معقول.أللهمّ غير ذلك المرض الخبيث الذي ينخر نفوسهم المسكونة أبدا بالتعالي والتميّز عن الشعب الجزائري.وهم يدركون أنهم لن يشفوا من دائهم هذا إلاّ بالإنقراض البطيئ.كما يقول عمي الطاهر.

  فقد وصفهم عمّي الطاهر بقوله:"والحقيقة أن هؤلاء غفل وسذّج  وأدعياء  يظنون أن العالم كله ينحصر في رؤيتهم أو في صفحة من الصفحات التي يكتبون،وبالأحرى التي "يسوّدونها" بالمعنى الصحيح،وينسون أنّ هناك الملايين من الناس غيرهم يقرأون وهناك التاريخ يقرأ،هناك النقاد يقرأون..لقد سيسوا كل مظاهر الحياة في الجزائر:كل شيء مسيس حسب رغباتهم،وحسب شهواتهم وحسب ما يتمنون،فهم لايعرفون لا أدبا ولا شعرا ولاقصة ولارواية ولا موسيقى،إلاّ إذا كانت تؤدي إلى تكريس أفكارهم وآرائهم التي هي نابعة من عواطف وأفكارجوفاء وحمقاء..وهو كل ما في الأمر"[4]

   وهذه هي الفئة الضالة المضللة التي لاتؤمن بشعار المقام الزكي/الجاحظية: "لاإكراه في الرأي" وهذه أيضا أعجاز النخل الخاوية التي سيجرفها تيار النهر القوي المتدفق، وهي مع ذلك تدرك بيقينية أنه في النهاية لن يبقى في الوادي غير حْجارُه. كما كان يصدح بها شيخ المقام الزكي.

   كان واضحا وهو يردّ على فئة الاستئصالين الضالة التي رأت في رسالة الشاعرعيسى لحيلح التي  ضمّنها الطاهر وطار روايته "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" قال: "فالرسالة الثانية هي خدمة للوئام المدني،وأنا رجل وئام،ورجل سلام.."[5]

وهذا موقف مسؤول من كاتب مفكر مسكون بحب الجزائر،يقدر تاريخيا تلك اللحظة الفاصلة التي يحتاج الوطن فيها إلى من يقف من أبنائه في صفه يذود عنه،ويحمي حماه.تماما كما كانت لحظة أول نوفمبر لحظة فاصلة بين الخائن الجبان وبين المجاهد الذي لبّ النداء.وللوطن لحظات ووقفات يُمنتحن فيها أبناؤه امتحانا عسيرا ولن يقوى على الثبات غير الصادق الأمين،ولن يبقى في الوادي غير حْجارُه، وأما الزبد فيذهب جفاء.وما ينفع الناس يبقى راسخا نافعا، وما أكثر الزبد ،وما أكثر فقاعات الغسيل في هذا الزمن الرديئ المتباهية باتفاخها المقزز.المخادع. 

   وعن التضحية والتفاني في خدمة الجزائر يقول عمّي الطاهر بتواضع شديد:"أنا أشتغل يوميا 10 ساعات مجانا وهذا ليس لأنني كاتب ،فبهذه الصفة أنا متوقف عن الكتابة،بل بصفتي مناضلا ووطنيا،وبصفتي أحمل همّ الجزائر وواثقا بأنّ الجزائر تستحق منا أكثر مما نعطيه لها.."[6]

  هكذا كان عمّي الطاهر عنيدا وقاسيا حتى مع نفسه، يشتغل عشرساعات كاملة ويوميا ومع ذلك مجانا،مضحيا بالكتابة التي تسكنه من أجل خدمة الجزائر،فقط لأنه يؤمن أن الجزائر تحتاج أكثر.تحتاج إلى من يعمل في صمت وبإخلاص المواطن الغيورعلى وطنه وثقافته.

هكذا ظل عمّي الطاهر يعمل بطاقة مؤسسة وليس بطاقة فرد،في زمن أفلست فيه أكبر المؤسسات،وعجزت فاشلة أومتظاهرة بأسباب العاجز عن خدمة الثقافة والمثقف.أللهمّ غيرإظهار قدراتها الخارقة في تنظيم مناسبات كرنفالية لأشخاص موهوبين في التنكر،كما لهم قدرة مشهودة على ترجمة المشهد الثقافي إلى حفلات اشطيح وارديح.مستغلين كل مناسبة للتقرب من الساسة،والتزلف لكل  من  يعتقدون أنه قادر على أن يعزّ من يشاء ويذل من شياء بيده الخير كله.

وهذا ما كان عمّي الطاهر يأباه ويمقته.كما ظل يكرر طول حياته: إذا خالطت السياسة الثقافة ،أهلكتها.وهذه رؤية الكاتب البصير الذي يقدس النص الفني،ويحرص كل الحرص على إبقاء الثقافة بعيدة عن عدوى السياسة والسياسيين.وكان يرى في ذلك تمردا روحيا يليق بالأديب شريف النفس.لأنه يرى ضرورة الفصل ما بين مثقف السلطة والمثقف الحر. 

     يقول عمّي الطاهر في هذا الصدد:"أنا لست مثقف سلطة وهذا مايحرج الكثيرين،دعيت بإلحاح  شديد إلى المكتبة الوطنية لأحضر أمسية شعرية  نظمتها سميرة قبلي وجاءت إلى منزلي وهي تلحّ،وهي إمرأة طيبة ولكن يعزّ عليّ أن أحضر أمسية بدعوة وقّع فيها مدير الأمن الوطني،وغيري حضر وتناول الكلمة، إنهم يحسدونني حتى على روحي المتمردة"[7]

هكذا كان عمّي الطاهر يرى الثقافة،ويرى من ثمة المثقف،يراه متمردا على كل ما من شأنه أن ينزله عن منزلته التي تميّزه عن غيره.والذي يميّزه عن غيره هو فقط الكتابة والفعل الثقافي الحر.وبهذا التميّز سيظل خالدا متأثرا ومؤثرا في سلسلة الأجيال المتلاحقة.ولأنّ الثقافة في فلسفة الطاهر وطار عطاء.كان من المتوقع منه أن لايكتفي بنشاط الجمعية الثقافية الجاحظية وخاصة النشاطات التي تقدمها الجاحظية على مستوى المقر.من محاضرات وندوات،وإصدارات مجلة التبيين ورئيس تحريرها الأستاذ الدكتور علي ملاحي الذي خلد روح وطار الثقافية في انجازه الثقافي الذي وسمه بـ" هكذاتكلم الطاهر وطار"ليكون مرجعا لكل ناقد وباحث.ونحسب أن هذا الإنجاز أيضا حجرا عظيما سيبقى راسخا في مجرى الثقافة الجزائرية الجاري.

    ليس هذا فقط  بل تمادى وطار وأحدث جوائز خاصة بالجاحظية، لها وقعها الثقافي والفكري داخل الجزائر وخارجها.مثل جائزة الشعر"جائزة مفدي زكريا" والتي صارت في ما بعد جائزة عربية تنظم كل سنتين،ومنها جائزة الرواية .وهي جائزة"الهاشمي سعيداني" التي يمولها الطاهر وطار من حر ماله.والتي اشترى لها شقة وأوقف ريعها للجاحظية.[8]

هكذا كان عمّي الطاهر ومقامه الزكي ومن معه من خدام المقام الزكي المخلصين،كان مؤسسة قائمة بحد ذاتها.شعارها وعنواها:"لاإكراه في الرأي"وهو الشعارالذي جنبها آفة التآكل من الداخل التي قضت على جميع الهيئات والمؤسسات التي حاولت جمع شمل المثقفين،والمبدعين.فتهاوت كعروش كارتونية.لأن الأساس مسوس.والنفوس المريضة مسكونة بالأهواء،وآفة النفس الهوى.وما يبقي في الواد غير حْجارُه.قالها عمّي الطاهر ثم رحل. صامتا محتسبا.

                                                                                                                      أ.د.عميش عبد القادر

 

                 

 



[1]ـ هذه المحاضرة ألقيت في الملتقى الدولي الأول .عن الطاهر وطار.بالجزائرالعاصمة  في:7/8/9/  12/ 2011

 

[2]ـ مجلة التبيين :عدد:35./ 2010 ص:85

[3]ـ مجلة التبيين الجاحظية..العدد السابق.ص:179

[4]ـ التبيين. العدد السابق. ص:181

[5]ـ مجلة التبيين. المرجع السابق. ص:181

[6]ـ المرجع نفسه.ص:184

[7]ـ  مجلة التبيين.العدد: 35./ 2010.ص:155

[8]ـ مجلة التبيين.العدد: 35./ 2010.ص: 154