جمالية القبح أو جمالية البشاعة

 4-1 - جمالية القبح أو جمالية البشاعة :

من صور جمالية القبح التي تضمنها المتن السردي "مئة عام من العزلة" تلك التي جاءت في وصف قدماء المحاربين، وهم »يموتون جوعا ويعيشون على الغضب، متعفنين من الشيخوخة على براز المجد اللذيذ«[1].

 فكلمة براز في الكلام اليومي العادي، تبعث في المستمع الاشمئزاز والقرف، بينما مجيئها في هذا السياق، أضفى إيقاعا جماليا على المقطع، تاركة أثرا دلاليا قويا في المتلقي، وكأن المؤلف لم يجد ما يطفئ به غضبه، من نفاق وإهمال الأنظمة الحاكمة لمحاربيها والاستخفاف بهم، كأخذ صور معهم، أو منحهم العلم الوطني، أو ميداليات شرف الاستحقاق . . . إلخ، إلا برفع الغطاء عن الصورة القبيحة للأنظمة الديكتاتورية في كولومبيا، باستعمال هذا النوع من التعابير الانتقادية التهكمية، من ذلك المجد الوهمي الذي يعيش فيه هؤلاء الرجال، في الوقت الذي يرفل فيه رجال النظام في خيرات كولومبيا.

فالكاتب يبالغ في استعمال لفظة براز حيث تكررت كثيرا في ثنايا الرواية، كوصف الحالة التي آل إليها ذلك الشاب الوسيم، بسبب حبه الجنوني لـ"ريميديوس" الجميلة، التي لم تتجاوب مع مشاعره، فقد كان » يطلع عليه الصباح وهو يتمرغ في برازه، في حانوت كاترينو«[2].

 نحسب أن هذه العبارة جاءت لتولّد الشفقة والتعاطف مع هذه الشخصية بفضل السياق الذي صيغت فيه، بدل التأفف والنفور منها.

وفي مقطع آخر، تجئ هذه اللفظة محملة المقطع السردي الآتي بشحنة عالية من الدلالة، في وصف الحالة النفسية للعالم الكتلاني مؤسس مكتبة "ماكوندو" أيام ازدهارها، وهو يغادرها أيام تدهورها، مشيرا »بنوع من المباركة الوقحة إلى أكوم الكتب التي تحمّل بها منفاه، وقال لاصدقائه : - أترك لكم هذا البراز «[3].

فشخصية العالم الكتلاني، شخصية أنثروبولوجية ثقافية، فهي القناع الذي تخفّى من ورائه الكاتب، ليكشف عن الواقع الثقافي المأساوي في كولومبيا، وحال العالم الثالث المتخلف. فعبارة "أترك لكم هذا البراز" تعبير قوي عن الحالة النفسية التي يعيشها المثقف، الذي لا يجني من كتبه إلا المرارة والأسى. وقد يؤكد ذلك الواقع الثقافي المزري، ما جاء على لسان أوريليانو، قوله:»أن الأدب هو أفضل لعبة أخترعت لخداع الناس«[4]. وتتردد لفظة براز في موقف آخر، هو في غاية التناقض، عندما شبه السارد الذهب ببراز الكلب، على لسان "خوسيه أركاديو"، وهو يبدي وجهة نظره في النتيجة التي وصل إليها أبوه، في فصل ذهب "أورسولا" عن بقية المعادن قائلا له: »إنه براز كلب «[5].

نلاحظ كيف استطاع "ماركيز" الجمع بين نقيضين، بين الذهب والبراز، وكيف استطاع بعبارته هذه أن يحطّ - فنيا - من قيمة هذه المادة الثمينة، التي تزخر بها مناجم كولومبيا، والتي كانت سببا في جلب الكثير من الويلات والأحزان على كولومبيا، من جراء تكالب الطامعين فيها. وقد جاءت هذه العبارة معبرة عن موقف "ماركيز" من الذهب، حيث وجدنا في إحدى مناصاته الخارجية، أنه يبغض الذهب، فهو لا يلبسه ولا يقتنيه في بيته[6].

كما بالغ السارد في استعمال بعض صورالقبح الأخرى، والتي تضمنت لفظا مقزز، كلفظة التبول في المقاطع التالية: »و جعلوها تبول على قطع آجر ساخنة لتخليصها من عادة التبول في فراشها «[7]. و»يبولون في الحديقة«[8]، و»لم يعد يغادر المشغل إلا للتبول تحت شجرة الكستناء . . . «[9].

نلاحظ في المقطع الأول، تقنية السارد في الجمع بين الجمال والقبح، في انسجام وتوازن، بفضل ذلك المزج الأسلوبي واللغوي، حيث فقدت لفظة التبول قبحها أمام جمال "ريميديوس" وبراءتها الطفولية. أما في المقطع الثاني، فقد جاء القبح اللغوي، ليصور بشاعة وفوضوية الغرباء الذين دخلوا "ماكوندو" .

 أما المقاطع الساخرة، التي جاء بها المؤلف وهو يتهكم من والد "فرناندا"، الذي يحسب من القديسين والنبلاء. يصف جثته القادمة في صندوق إلى بيت "آل بوينديا"، وفي أيام عيد الميلاد، وصفا يبعث على الامتعاض والتقزز من نهاية هؤلاء. كان » دون فرناندو مرتديا السواد، وعلى صدره صليب، وقد تفزر جلده بتجشؤات نتنة، وهو ينضج على نار هادئة في سائل رغوي ذي فقاعات لآلئ حية «[10].

فالألفاظ المستعملة - في هذا المقطع- منحت الوصف بعدا جماليا وعجائبيا ينفتح على بعد دلالي، اجتماعي وديني فـ » جمالية القبح تيار معروف في أدب أمريكااللاتنية المعاصر يهدف إلى تقديم الواقع بصورته القبيحة. بدون تأفف أو امتعاضمن ذلك«[11].

فظاهرة التعبير عن القبح حاضرة في الكثير من أعماله، لكنها في قواليب أدبية وجمالية"كخريف البطريريك" و"جنازة الأم الكبير" و"عن الحب وشياطين أخرى" والتي جاء فيها الوصف التالي »حتى الطيور الجميلةالرقيقة تظهر في بعض الاحيان بصورتها المثيرة المقرفة على نحو ما نجد في المشهد التالي : "وفي صباح يوم الجمعة دارت الطيور السنونو دورة واسعة فيالسماء، ورشت الشوارع والسطوح بزخات من الذرق النيلي المقرف«[12].

تكمن عجائبية هذا الفعل الذي قامت به الطيور في كونها كائنات ضعيفة وهي مصدر للجمال، تحولت - من خلال صورتها العجائبية- إلى مايشبه رش الطائرات للمواد الكيميائية. وهذا تجسيد لخيبة التوقع، فالمنتظر من تحويمة الطيور أنها ستزين سماء ماكوندوبتغاريدها وألوانها ومنظرها المفرح، إلا خيبة التوقع التي قصد منها التعجيب والتغريب جعلت مشهدها مقززا ومقرفا. وهذا شأن أسلوب السحري والعجيب الذي ينبني على قلب المفاهيم من المألوف إلى الامألوف.

 



[1] - مئة عام من العزلة، ص : 297

[2] - مئة عام من العزلة ، ص : 241

[3] - المصدرالسابق، ص : 482

[4] - مئة عام من العزلة، ص:467

[5] - المصدر نفسه، ص : 41

[6] - ينظر: غابرييل غارسيا ماركيز، رائد الواقعية السحرية، ص : 207

[7] - مئة عام من العزلة، ص : 101

[8] - المصدر نفسه، ص : 279

[9] - المصدر نفسه، ص : 314

[10] - مئة عام من العزلة، صص : 261 / 262

[11] - في الواقعية السحرية، ص : 132

[12]- المرجع السابق، ص : 133