سرد صمت الأنثى،واستنطاق هُويتها في رواية:بحر الصمت/ياسمينة صالح.

              سرد صمت الأنثى،واستنطاق هُويتها.        

                                          

                     في رواية:بحر الصمت/ياسمينة صالح

                                                أ.د: عميش عبد القادر

                                                                                                      

 

    تقول الروائية "ياسمينة صالح" من وراء صمتها:"الرواية جريمة حب أرتكبها اليوم بإحساس جميل،ومختلف بالنسبة لي،وحين أقول بإحساس مختلف فأعني أن الكتابة نفسها تشكل عندي حاجة ماسة للحبّ بطريقة ترضيني،فأنا أكتب عن حبّ وليس عن كراهية أو ضغينة."[1]

 ...وفي البدء كانت الكلمة.وقبل الكلمة كان بحر الصمت والخواء."وعبر الكلمة نشأ الواقع وتشكل ومن ثمة يطلب المبدع اللغة حثيثا ليصنع بها نصا ويبنيّ له واقعا يتشكل ويعاد تشكيله في كلّ مرة وحين، لتغدوَ الحياة ـ بعبارة ريكور(بول ريكور) نصا ينجح بالقدر الذي يُكتب وكذا النص حياة بالقدر الذي يؤوّل"[2]

    وفي البدء أيضا يقف الدراس ولاشك حائرا مأخوذا بوقع نص رواية: "بحر الصمت" للكاتبة الجزائرية المتدثرة بصمتها كامرأة جزائرية،مجلجلة بلغتها السردية المائزة،اللغة الناجزة."بحر الصمت" التي تعدّ الرواية الأولى بالنسبة للكاتبة.والتي تشكل ـ في تقييمنا ـ طفرة أخرى في الكتابة النسوية بعد رواية "ذاكرة الجسد "لأحلام مستغانمي. التي ما يزال وقعها الفني والإبداعي يجلجل في سمع كل قارئ ذوّاق.فهل قدر المرأة أن تظل صامتة وحين تكتب تدهش.وتنماز. ؟

   ستحاول هذه الدراسة تجاوز لحظة الإدهاش الذي ينماز به نص "بحر الصمت" لتقارب مضمونه بصفته متنا/نصا.عنيفا ؛عنف اللغة:لفظا/جملة.وبنية تركيبية شديدة الوقع.والوقع هنا لايعني الحدّة،كما لايعني شيئا آخر.إنما نقصد بالوقع حدة البنية من حيث حكميّتها وبصفتها لغة سرد تنماز بدقّة المعنى.ووضوح الرؤية؛لغة "الأنا" الأنثى المقنّعة بقناع الرجل،تحكي  هّويتها؛كأنثى ووطن وتاريخ وثورة.وغيرها من أنواع الهوّيات، داخل دائرة الهوية الكبرى الوجود الإنساني.

    ولفهم التركيبة الفنية لرواية "بحر الصمت" ألفيناها تتركب من اسم الكاتبة الفعلية "ياسمينة صالح" المثبت على الغلاف والذي يشكل الواقع الفعلي لـ"الأنا" الكاتبة.وهو ضمير فعلي يقع خارج النص ويتودد إليه.ويحوم حوله دلاليا ولا يقع فيه.لأنه يمثل الحدّ الفاصل بين الواقعي والمتخيل المحكي أي المنجز النصي.ثم يأتي المتن بصفته فضاء متخيلا.وقصة محكية ،وسردا منتظما.وتاريخا يستعارداخل الفعل السردي ـ تاريخ الثورة الجزائريةـ لإعادة تشكيله سرديا،وإعادة تنظيمه حبكيا.مادامت الحبكة هي الوسيط الذي يعيد تنظيم الأحداث كما يرى "بول ريكورـPaul Ricoeur":"أرى في الحبكة التي نختلقها الوسيط المميّز الذي به نعيد تشكيل تجاربنا الزمنية"[3] .وفي داخل هذا الفضاء المتخيل الأنا الراوية،والتي هي ـ فنيّا ـ الأنا  "الكاتبة الفعلية"  والتي تروي من خلف قناع الرجل/الراوي،مستعيرة صوته الرجولي.وبذلك ظلت الراوئية /الكاتبة الفعلية محتمية بصمتها كالبحر الممتدّ/العميق.وهذه حالة فنية سردية شملت جميع الشخصيات النسائية؛جميلة الزوجة/وابنتها جميلة الحاقدة التي اكتفت أحيانا بخطاب الإشارة والإيماءة في محاورة أبيها،وكأنها نذرت للرحمان صوما.وأما باقي النساء وهن قلة فقط اكتفت الراوية/الراوي بسرد مقولاتهن القليلة. فما سرّ الصمت والضرب عن الكلام؟ أفهو شفرة دوفيتشي اللغز؟ حتى صورة مونيليزا ظلت صامتة فقط نقاد الرسم هم من أوّل ابتسامتها؛ومع ذلك ظلت مونيليزا صامتة هادئة كأنما تصدر استفزازا ما.

    تأسس المنجز السردي"بحر الصمت"على تقاطب ثنائي:الحب والثورة،قطب أساسه جمالية بشاعة الألم /الموت،والحب الجنوني الذي لايعترف بالهزيمة:"فالحب لا يعترف بالهزيمة أبدا"[4]

وكلا القطبين مرهونان بحضور المرأة.ومن ثمة تمثل المرأة "جميلة" قطب الرحى ؛رحى الحب الجنوني ،ورحى الثورة.ممّا يسِمُ هاذين القطبين بسمة العنف.ومن ثمة أيضا انماز نص رواية "بحر الصمت" بعنف اللغة ووقع المعنى،وجلجلة الخطاب.ولكن مع عنف النص تتحقق متعة المحكي،ولذة المسرود.ومع حركة رحى القطبين يعاد تشكيل رؤية مغاير للتاريخ .فالتاريخ بصفته أحداثا ماضوية، وزمنا منته،هو أيضا هوّية "الأنا" الساردة.تحاول من خلال حكي التاريخ أن تقدم نفسها للآخر بغية تأويله لماهميتها.ليتعرّف بدوره على هويته المنفلة في زحمة بحر من الهُويات.فالبطل الراوي "سي السعيد" لايدرك هويته إلاّ بحضور "جميلة "العشق الجنوني والموت المباغت."جميلة":"التي كانت زوجتي وأبنائي وأهلي..كانت التاريخ  الذي أذكره ويذكرني فنتبادل الشوق والكلام"[5].بهذا الكشف تنفضح هوية "سي السعيد"،وتنفتح على عوالمه التي كان يجهلها بصفته "الأنا" المشغولة باليقيني والجاهز.ومن هنا كان وعي البطل لذاته ما هوسوى وعي الآخر/الكاتبة/القارئ.بأهمية الانفتاح على الآخر بصفته مرآة تعكس في وعينا رؤية العالم.كما تمنحنا الرموز التي تسعفنا على تفسيرالأحداث وحركة الزمن.وهذا من خلال المنجز السردي.المثبت خطابا مكتوبا.فالخطاب:" المتصل بالكتابة والسرد يقوم على قاعدة أنطولوجية ضمن ظروف تاريخية  مزامنة للحظتي الحكي والمعنى،ومتأتية من كون الإنسان منتجا للعلامة والرمز قصد إدراك الهوّية على سبيل ميتافيزيقي أو منطقي وإنما على نحو هرمينوطيقي من خلال إقامة دائمة للذات في فضاء متحرك دلالة ومعنى يتخارج في مسرودات ومأثورات مقولة أو مكتوبة تموضع الفكر ثقافات متناثرة علّها تمسك بالذات لحظة تعبيرها عن الوجود"[6].

  تنفتح ذاتية البطل "سي السعيد" على الآخر "جميلة" فتتبدى له هوّيته في ذاتها، أي ذاتية جميلة العشق الجنوني كتابا مسطورا يقرأ فيه تفاصيل هوّيته من ذلك قوله:

"..لم يعرف الرجال وجهكِ الحقيقي سيّدتي...

لم يعرفوه كما عرفته أنا،ولم يحبوه كما أحببته أنا...

وجهك الذي حوّلني من رجل عاديّ إلى رجل وطني على طريقتك، وثوري على طريقته.."[7]

وقوله:" تلك العينان جعلتا مني رجلا آخر يريد اكتشاف ذاته في ذوات الآخرين،وفي معنى الثورة التي يسميها "عمر" الوطن"[8]

وقوله أي "سي السعيد":"جميلة ، تلك التي حولتني من رجل بلا تاريخ إلى عاشقمجنون"[9]

فإذا ما جئنا نستقرئ هذه الشفرات اللسانية قراءة هرمينوطيقية كانت كالتالي:

لم يعرف الرجال وجهكِ = لم يعرفوا الحقيق

عرفته(أنا) وأحببته= (أنا)

وجهك الذي حوّلني=  (أنا)

إلى رجل وطنيّ = (الهويّـــة)

وثوري(السّعيُ لتحقيق الحرية) = الهوية

تلك العينان جعلتا مني (أنا) = الهوية

وجعلتا مني رجلا آخر.= استعادة الهوية

    يتبين لنا جليا أنّ هذه الفقرة بما تضمنته من رموز(علامات/كلمات) ذات محمول نفسي وجداني لاتقرأ إلاّ بهذا المنظور النفسي الذي يقدمه المنجزالسردي بصفته نصا يقول مالم يصرح به كاتبه.ولأنّه لايكتفي بفضح المعنى فقط وإنما يقدم متعة المقروء،ولذة المحكي.وهذا ما أشار إليه "رولان بارت" في قوله:"إنّ قراءة النص يجب أن تستند إلى النظام النصي نفسه الذي يستعان في توضيحه ببعض العلوم الإنسانية:كعلم النفس التحليلي والنقد المضموني والتاريخي والبنيوي"[10].

    نعتقد أن الروائية "ياسمينة صالح" حين كانت تكتب نص عنف اللغة"بحر الصمت" كانت تراهن بيقينية على أهمية الرّمز،والشّفرة والتلميح،والتلغيز.وحين كانت تمارس تلك النّية الفنية كانت تدرك مدى أهمية عملية الشفرة، وباقي عناصر التعمية، أهميتها في قدرتها المتميز فنيا ومعرفيا على فتح النص على التفسير الهرمينوطيقي لأبعاد نص الجنون.ابتداء من عتبة التعمية الأولى المتمثلة في الاستعانة بصوت الرجل لتخاطب المتلقي،مستعيرة قناع الذكورة غير الجميل،مخفية وجه الأنثى ـ الراوية على الأقل ـ الذي يبعث على الاطمئنان. كانت تفعل ذلك وهي تدرك بوعي الكاتب  المتمكن من أدواته الإبداعية أن النص الروائي كلما عوّل على جنون اللغة،ووقعها كلما حقق درجة عالية من الغواية ومن فتنة اللغة.وقد تعوذ قديما الجاحظ من فتنة اللغة"أعوذ بالله من فتنة القول" وفي اعتقادنا لن تتحقق تلك الفتنة إلاّ بجنون اللغة. وقد أكّدت "ياسمينة صالح" ذلك بقولها:

"الكتابة ليست منفصلة عن الآخرين، إنها تؤسس شيئا يتحول إلى وجبة فكرية جماعية في النهاية! لهذا الواقع والخيال شيئان لا يتجزآن من ميكانزمات الكتابة نفسها، إنه جنونها الأجمل..! "[11]
   وفي المقابل ـ وهذا اعتقادنا ـ لن يتحقق عنف النص ورومانسيته إلاّ إذا لامست لغته المجنونة مكامن الألم /العشق/الأمل. في نفس المتلقي/الآخر.لأن الآخرين يتشابهون في الداخل/الجوهر.ولأنّ كل "أنا"مسكونة بالآخر.لاوجود"للأنا " إلاّ بوجود الآخر.ومن جهة فإنّ النص"مدوّنة حدث كلامي ذي وظائف متعددة وهو شكل لساني للتفاعل الاجتماعي تبعا للمقام الذي أنتج فيه وللعلاقات الاجتماعية  واللسانية  والثقافية والمعرفية ،فهو مجموع الملفوظات اللسانية الخاصة للتحليل"[12]

  لاشك في أنّ طاقة النص الشعرية ـ شعرية المحكي ـ في رواية "بحر الصمت" تمثل الوسيط الفني لكل تأويل،كما تشكل حافزا قويا لفعل التلقي،فكلما تشعّرت اللغة من حيث تراكيبها وتقصّد المتن/ أي شكل النص المشهدي/ التقطيع/والتجزيئ/ والتنقيط/ والبياضات(الفراغات)/وقصر الجمل/والخطف والقبض في المعنى بسبب دقة الجمل. كلما اكتسب النص الروائي خاصية القصيدة من حيث درجة الانفتاح على آفاق المعنى،وتمادت مسافة الانتظار،وتجسدت خيبة التوقع. وهذا مانلمسه في الكتابات الروائية التي بدأت تجسد فعل التجريب الروائي.ذلك لأن التجريب الروائي هو انفتاح على كلّ جديد وتجاوز للنمطي والثابت.وبالتالي فإنّ درجة انفتاح النص الروائي أضحى مطلبا فنيا وجماليا تسعى إلى تحقيقه النصوص التجريبية في جنس الرواية.وقد شدّ انتباهنا ونحن نباشر قراءة نص "بحر الصمت" أنه انغمس في هذا المعطى الفني التجريبي،وهو في اعتقادنا ما حقق درجة عالية من عنف اللغة وعنف الرومانسية كما وصف به "محمد برادة" نص "بحر الصمت" بأنها رواية تحمل: بصمات اتجاهين سميناهما بالترميز الرومانسي وعنف النص[13].

  يتبدى عنف النص في وقع التراكيب اللغوية،وفي مواطن تهيّج المسرود في المقاطع السردية التالية :

      كأني أراكِ أمامي بعينيك الخضراوين ووجهك الهادئ/المنفعل/القلق/الصاخب...أكاد  أناديكِ: جميلة.

أكاد أركض إليك باكيا نادما.

كم أحببتك ياسيّدتي...شردتني إلى مدن مشيتها حافيا وعاريا..

أحببتكِ كما لم لن يستطيع رجل أن يحب امرأة،كما لن تستطيع أغنية أن تغازل امرأة، كما لن تستطيع قصيدة أن تصف امرأة..

كنتِ مدينتي...منفاي.

كنتِ الرجوع إلى الغموض...الرحيل نحو المجهول

كنت جنوني الأول والأخير فصرت ذاكرتي، بلاطها زجاج مكسورا.

ها...النهار يلج من ثقوب هذا اليوم الآتي...

هل أنا من سيفتح الباب عما قليل لأول ربيع قادم من زمن ليس زمني؟[14]

  نلمح طاقة سردية شاعرية تنحازفي إطارها اللغة بتركيباتها الشعرية إلى خارج حدود عقلانية السرود التي عهدناه مسالمة في انتظاماتها اللسانية الخطابية. هنا فقط تتوتر بنية المسرود وهي تغادر سكونيتها النثرية،توتر يدفع بها جهة مساحة النظم،توتر تركيبي يتجاوز استظهار الصورة الفنية النثرية ليكثف عنقودية الصور الخاطفة،وبذلك يتحقق استظهار شعري أو بالمصطلح النقدي الحداثي النثر الشعري.إيقاع بلا وزن،وموسيقى بلا بحر،فقط "بحر صمت" "ياسمينة صالح" حين يتخلى عن اللغة النثرية المهادنة وينحازإلى لغة أخرى، اللغة الضالة المضللة لكل توقع للإمساك بالمعنى القصدي،أو اللاقصدي. لغة مسكونة بطاقة البوح الشعري. هنا فقط يغادر"بحر صمت" "ياسمينة صالح" صمته ليلفظ مكنوناته الخبيئة.وهنا في هذا الموطن من المتن السردي وغيره كثير فقط تتوسل الذات السّاردة بالصوت الرجولي أي"الأنا الذكورية" لتتقنع به "الأنا الأنثى" لتمارس بوحها في مقام نص العنف والرومانسية.كما سماه محمد برادا.فقد أحصينا لفظة "الرجل" المتكررة والمتلاحقة على طول جسد النص"بحر الصمت" فألفيناها تربو عن (37) مرة.فشكلت هذه اللفظة بذلك أقوى الشفرات،وحضورا سيميائيا يستوجب قراءة إنزياحية،كما يستوجب من القارئ أن يهزّ بجذع النص "بحر الصمت" ليتساقط ما خفي من دلالاته الكامنة.فكلمة"الرجل" شكلت حضورا خطابيا،حتى غطى على جسد النص وهيمن بإيقاعاته واسترجاعاته على باقي الشفرات.

   وقد أرجعنا كثافة لفظ "الرجل"إلى:أن الرجل في العرف الجزائري وحتى العربي مباح له تقليديا البوح بما يعانيه من جنون الحب والعشق،وهو الذي ـ عُرفيّا ـ يتودّد للمرأة ويراودها عن نفسها إذاما شغفته حبا،ولأن الرجل مؤهل للخوض في قضايا السياسة،والثورة، وهو وقود الشهادة إذا ماتلظّت نار الحرب، وهو صانع التاريخ في جانبه السياسي والقتالي.وربما لأنه المؤهل خطابيا وسرديا ليكون بطلا يليق بنص ينبني على ثنائية:جنون الحب وجنون اللغة.

      رجل أحب أمرأة"جميلة" فأحب من خلالها الوطن،وجاهد للفوز بها فوجد نفسه مجاهدا وسط الثوار يدافع عن وطنه"الجزائر".وكان يحلم بأن يزفّ عريسا فوجد نفسه في طريقه إلى الشهادة.ولكنه في الأخير خسر "سي السعيد" االإثنتين معا.وبألم وخيبة.حين أكتشف متأخرا والحب يأتي دائما متأخرا كما تقول الروائية الجزائرية"أحلام مستغانمي" إكتشف أنه لايستحق الشهادة لأنها عشق وجنون،فتخلف وقتها عن رحلة الشهداء زملائه.ولم يفز بـ"جميلة" لأنها كانت قد منحت قلبها "للرشيد" الشهيد الذي رحل حاملا قلبها شهادة أخرى على عشقه الجنوني. بعد أن ترك لها عشقه كـأجمل ماتترك ذكرى غالية.

 وقد ادرك "سي السعيد" متأخرا حين قال:

"أكان يدرك أنني لاأستحق الشهادة؟ ففي نهاية الأمر، الشهادة ما هي سوى علاقة حبّ بينإنسان ووطن...وأنا كنت أحب امرأة أكثر مما أحببت وطنا..ولأجلها أصبحت جنديا."[15].

   يتوسم فعل البوح المنولوجي الصادر عن مكمن "الأنا" المجللة بالخيبات للراوي في "بحرالصمت"  يتوسم تصويب القراءة وفعل التأويل جهة مغالق النفس"الأنا"التي تنفتح في لحظة ضعف ومكاشفة.على عنقودية الخيبات وعلى الرغم من هيمنة المنولوج الذي يوائم ويواتي مقام البوح وانفتاح "الأنا" الراوية،وتقليص مساحة السرد،إلاّ أنّ رواية"بحر الصمت" نجحت كخطاب سردي في إثارة فضول المتلقي بإزاء واقعية سردية خارقة لمألوفية السّوْق السردي،متجاوزة مألوفية السرود الجزائرية.المتسمة بوضوح اللفظ وقرب المعنى،وشحّ فائض المعنى.وقرب المسافة مابين الدال والمدلول.وقد يعود ذلك التوفيق إلى دور الراوي كلي العلم بحبكة حرفية عالية.وقد أسعف تلك السمة ذلك الصراع العنيف مع الذات الراوية وهي تسعى للتعبير عن إشكالية الانتماء،التاريخي والوطني،في محاولة مستميتة لإثبات الهُوّية الوطنية،في موقف مجاهدة نفسية وروحية ،بغية إقناع الآخر المسكونة به أبدا، وبهاجسه الدّائم.

     بطريقة فنية سردية استطاعت الروائية"الطفرة"أي "ياسمينة صالح" في الكتابة الروائية الجزائرية ـ لايهم هنا إن كانت الطفرة امرأة أو رجلا ـ مادامت النصوص الجيدة لاانتماء جنسي لها. استطاعت بأسلوبها المتميّزأن تنتج نصا أساسه الدهشة،والغواية،غواية النص الفاتن.استطاعت من وجهة فنية أن تركّب "أنا" الرواية على "أنا" الآخر الذي هو "جميلة" مصدرفتنة المحكي وقطب الحكاية.نتأكد من ذلك التراكب حين نلامس حميمية النص من الداخل بعد أن مررنا باسم الكاتبة "ياسمينة صالح"  الذي يشيرإلى منجزه السردي"المتن الروائي".والذي يقيم جسر التراسل ما بين الباراني والجواني.يقول الراوي الأنثى/الرجل، مخاطبا أنثاه القطب "جميلة" التي تجلت له شفرة حمّالةً لكل دلالات الهُوّية (الوطن/الثورة/التاريخ...):

"قبلكِ كنتُ رجلا عاقلا،وبعدكِ صرت مجنونا...حتى الوطن اكتشفته بكِ/فيك..وجدتنيمحشورا في الدفاع عنه...وحشرتني الثورة في مفاهيم لم أكن أؤمن بها...

لأجلكِ أنت خنقت آرائي وتقمّصتُ ماأردته وجهيّ الآخر،وصرت واحدا من الجزائريين المخلصين للوطن.."[16]

     يتأجج منولوج الراوي ووهويصّاعد مجتاحا مساحات السرد المفتوحة على متاهات الخيبة،ووقع انكسارات "أنا" الراوي المنهمك في سرد جنون عشقه الخائب،وافتضاح مواقفه العشقية والثورية التي آمن بها خطأ،أو على أقل تقدير اعتنقها من أجل "جميلة" التي أحبها حدّ الضّياع،وآمن بها لأنها تشبه الوطن أو كانته،ولأنها صارت وجه "سي السعيد" تقنّع به ومضى مغامرا لامجاهدا وليس ثوريا ،مضى صوب الثورة واهما،أن سبيل الثورة يوصله إلى عينيها،وأنّ التضحية باب يوصله إلى قلبها الفارغ منه ومن حبه.ولكن من وجهة شِرعة الحكي،ومنطق السّرد حسبه أنه مجنون "جميلة".وما لذة العيش إلاّ للمجانين،كما يقول  أبو مدين التلمساني الصوفي[17]:

هذا الحبيب الذي في القلب مسكنه

عليه ذقت كؤوس الذّلّ والمحن

عليه أنكرني من كان يعرفني

حتى بقيت بلا أهل ولا وطن

قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم

مالذّة العيش إلاّ للمجانين.

     نحسب أنّ كل بوح وافتضاح هو مكاشفة لحقيقة هُويــّة "للأنا" الراوية الصوت المركب ألأنثى المستترة المقنعة/والصوت الذكوري/الرجل الذي يجتهد انطلاقا من عتبة اسم الكاتبة"ياسمنة صالح" لينظم شتات هويته وقد استحوذ على دفة السرد يديرها بحسب مشيئته العالِمة.ومن ثمة يقدم رؤيته للعالم من حوله مخاطبا الذوات الملتفة حوله،وبذلك يكون بشكل سيميائي يقدم وعي الكاتبة "ياسمينة صالح".نفسها؛موقفها من ثورة التحرير وتاريخ الجزائر،فاضحة على لسان وكيلها الراوي الذي علّمته ما لم يعلم من أسرار الثورة الجزائرية وفداحة خيانة من خان من الثورييين وضيّع حلم الجزائريين وحلم الشهداء وهو الحرية التي كانت قطب رحى الثورة وحلم أحلام الجزائريين.ففي مناص خارجي تصرح الروائية "ياسمينة صالح" ،وكل مناص هو كشف لملابسة كتابة الرواية والظروف التي واكبت انتاج النص تقول:"..ولكني أعتقد أنني في بحر الصمت كتبت عن الأخطاء التي ارتكبت في الجزائر في ظل أولئك الذين هرعوا للكراسي على حساب الشعب...أنا ابنة رجل مناضل أعتزّ كثيرا بانتمائه إلى الثوار إبان الثورة التحريرية،وأنه لم يهرع مثلما هرعوا بعد الاستقلال للنهب والسّلب والسلطة القمعية.."[18].

  وفي هذا يقول سعيد يقطين:" هذا الحضور القوي لايبين لنا فقط صورة عن البناء المحكم كيف يلتقي مع طريقة السّرد ولكنه علاوة على ذلك يكشف لنا رؤية سردية ومعرفية يملكها الروائي وهو "يتماهى" مع الراوي ليجسد لنا طريقة في الكتابة ورؤية خاصة للعالم كما يسعى الكاتب إلى تقديمها،وتبعا لذلك يتقلص دور المروي له ليصبح موجها إلى المقاصد التي يرومها الكاتب،وذلك بطبيعة الحال بناء على طابع التشويق التي يلجأ إليها هذا الأخيرأبدا"[19].

    لقد برهنت الروائية "ياسمينة صالح" على إبطال اشكالية تجنيس النص المفتعلة؛ الكتابة الرجالية والكتابة الأنثوية أو النسائية،وأن النص الروائي الجيّد لاجنس له،وقد تنبّهت "بياتريس ديديي ـBéatrice didier " إلى هذا الإشكال النقدي معبرة عن ذلك بقولها:"إنّ خصوصية الكتابة النسائية لاتلغي مشابهتها لـ"الكتابة الرجالية"[20]

    ومن هنا نعتقد مع سعيد يقطين أنّ ثمة صعوبة في التفريق بين الكتابتين لأنّ:"ما يمكن أن نزعم أنه خاصية في الكتابة النسائية يمكن أن نعثر على نظيره في "الكتابة الرجالية" والعكس صحيح"[21].

    إلاّ أن ما ينماز به نص"بحر الصمت" يتجاوز محدودية أشكالية تجنيس النص الروائي.لأننا هنا في"بحر الصمت" بإزاء نص يرويه "الرجل" معرّفا بـ"الـ" التي تعني ثبوتية "الأنا" وهي تتمظهر أمام الغيرية وقد استحوذت على كلّ مصادر الأصوات،محتكرة القول السردي وزاوية التبئير،فارضة نظامها في توزيع الأدوار ـ إن كانت ثمة أدوارـ مما اكتسبها سلطة سردية مطلقة.تماما كما يليق بالرجل "المعرفة"حتى وهو يصدر أسئلته الجارحة وعِتابه الحاد "لابنته جميلة" الحاقدة عليه والتي تحمّله سبب موت أخيها "الرشيد"وعتابه الجارح لـ"جميلة" التي أحبها حدّ الجنون والتي قابلته بوفائها الشديد لزوجها الشهيد"رشيد" وعاقبته بتسمية إبنيهما بـ"الرشيد"وفاء لزوجها و"جميلة" التي أودعتها وراثيا جفاءها وصدها عنه.وهنا فقط وجبت الإشادة إلى هذا التركيب الفني المدهش حقا.الذي شكل دائرة أساسها عنف المقول،وتهييج بنية المحكي التي سرّعت حركة السرد وملأت فضاءه  صخبا تتناسل فيه الرموز وتتكثّر بين طياته الشفرات.كلّ ذلك ضمن نسيج لغوي عنيف؛سواء من حيث الألفاظ التي لها وقع الطلقات،ألفاظ تغادر خلجات القلب ،لتستقرساخنة في قلب المتلقي،تاركة هزة النشوة وطرب الوقع.وانتشاء المحكي. في احتفالية قلّ نظيرها في روايات تراهن على المشهد الجنسي   la pornographie واللغة النابية بل واللفظ العامي البذيئ.كل ذلك أيضا والراوية الفعلية "ياسمينة صالح" تدير خيوط لعبة الضمائر بمهارة تحركها من وراء ستارالنص لتستنطق صمتها.

                                                                        عميش عبد القادر

 

                                                                          

 



[1]ـ http: www.diwanalarab.comحوار مع الروائية ياسمينة صالح.حاورها عمار بولحبال.أكتوبر 2011

[2]ـ حاتم الورفلي: بول ريكور...الهوية والسرد.تقديم.د أحمد عبد الحليم عطية.دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.بيروت.2009.ص:61

[3]. حاتم الورفلي: بول ريكور...الهوية والسرد. ص:59

[4]ـ بحر الصمت. يسمينة صالح. دار الآداب .بيروت ـ لبنان. ط1/ 2002 ص:107

[5]ـ بحر الصمت.ص: 89

[6]ـ حاتم الورفلي: بول ريكور...الهوية والسرد.ص:53

[7]ـ بحر الصمت ص: 81

[8]ـ بحر الصمت. ص:64

[9]ـ بحر الصمت. ص: 51

[10]ـ رولان بارت: لذة النص. رشيد بن حدو. قراءة في القراءة. مجلة الفكر المعاصر.عدد:48/49. 1988ص:19

[11]ـالمصدر: جريدة السفير اللبنانية htt://assafir.com

[12]ـ حاتم الورفلي: بول ريكور...الهوية والسرد.ص:68

[13]ـ موقع منتديات السّاخر.www.alsakhir.com

[14]ـ ياسمينة صالح: بحر الصمت. ص: 126/127.

[15]ـ بحصر الصمت. ص:115

[16]ـ بحر الصمت. ص:76

[17] ـ شعيب أبو مدين بن الحسين التلمساني.الديوان. ص:67

[18]ـ  حوار مجدولين. المرجع نفسه.

[19]ـ د. سعيد يقطين. قضايا الرواية العربية الجديدة،( الوجود والحدود.)رؤية للنشر والتوزيع.2010.ص:145

[20]ـBéatrice didier.l ‘ecriture – famme.édi PuF.Paris.1981.P .6

[21]ـ د. سعيد يقطين: قضايا الرواية العربية الجديدة.294