تضافر الصّورة والنّص في ترسيخ القيم السّامية لدى الطفل

                   تضافر الصّورة والنّص في ترسيخ القيم السّامية لدى الطفل

                                                      أ.د.عميش عبد القادر

                                                                       

خطاب الصورة  

       مفهوم الصورة:وتعني في اللغة من صور،والمصور هواسم من اسماء الله الحسنى،جاء في لسان العرب:"هوالذي صوّر جميع الموجودات ورتّبها وأعطى كل شيئ منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميّز بها على اختلافها وكثرتها"[1].

والصورة اصطلاحا:"الكل المكتمل المركب الذي يشمل الجانب الحسي والعقلي والمعرفي والإبداعي"[2]

والصورة بهذا المفهوم تجعل المحسوس أكثر حسية وأكثر لمسا،ومن ثمة فهي مكوّن رمزي وتأويل مرئي يقدم الأفكار وجزئيات الواقع لتغدوّ ثقافات بصرية تستفزالأحاسيس وتستولي عليها بيسروافتتان.كما أن خطاب الصورة يشتغل على مستويين أساسيين:المستوى الإخباري: وهومستوى الاتصال أو التواصل مابين المرسل والمرسل إليه أو المتلقي،والثاني المستوى الرمزي الإيقوني،وهو المستوى الدلالي والمعرفي. الذي يمثل القصد الأساس من أرسال خطاب الصورة.وهوـ  من جهة ـ المعلومة الجديدة التي ستضاف إلى رصيد الطفل المعرفي والثقافي.

      ومن هذا يتضح مفهوم ثقافة خطاب الصورة:"من خلال مفهوم الإبصار والثقافة الحسية البصرية،فالإبصار من أهم منافذ المعرفة البشرية بأسرها،فللإبصار القدرة على التوحيد والتأليف،وهي قدرة مستمدة من الفهم،فالإبصار يمارس وظيفته من خلال التصورات المعطاة من حوله  في إطار واحد له القدرة على استقطاب التصورات،وإقامة الصلة بين الصورة والموضوع،فهي التي تمثل الشرط الموضوعي لكل معرفة وفيها يتم لملكة الفهم إدراجها في انتاج المعرفة"[3].

     تكشف ثائية :الصورة/النص،أوالنص/الصورة.ـ كما تظهره بنية النصوص الأدبية الموجهة للطفل ـ عن منافسة خفية ،وسباق معرفي قائم بين خطاب الصورة وخطاب اللغة،في أيهما أسرع في مخاطبة عقل الطفل المتلقي،وأيهما أقدر على تلقين الطفل وترسيخ القيم السامية في نفسه. ؟ووراء هذا التنافس الذي أساسه التعاضد لا التنافر تشتغل بلاغة كل طرف ،مبرزة قدراتها التواصلية وأثرها الحواري القوي، لهدف أساسي وهو تغيير فكرالطفل المتلقي والتأثير فيه.وأما قوة التغيير فإنها تكمن في المنطق الجديد الذي تتمتع به الصورة بصفتها خطابا مرسلا.لقد"تحول الذهن البشري من ذهنية المنطق ونحوية اللغة إلى ثقافة الصورة ونحوالصورة،وتأتي النحوية الجديدة من حيث هي تغيير في قوانين صناعة الدلالة وقوانين التأويل والفهم المعتمدة على خمسة أسس هي: إلغاء السياق الذهني للحدث،السّرعة اللحظية،التلوين التقني،تفعيل النجومية وتحويل الحدث إلى نجومية جديدة،القابلية السريعة للنسيان وإلغاء الذاكرة..كما تتجاوز الصورة المعنى والأثر لتصبح شكلا ثقافيا يتمكن من الوعي والتأثير.."[4]             

    لقد فرضت الرسوم أو الصور عند ظهورها في أدب الأطفال تقسيما خاصا على مستوى الشكل الخارجي للنص ، فصارت القصة مجزأة إلى فقرات، يلازم كلا منها رسم يترجمها ويكملها ويجليها عارضا مجموعة القيم أمام عين الطفل القارئة، ومن ثم تعددت القراءة من قراءة الفقرة اللغوية إلى قراءة الصورة بمكوناتها:الشيئ المرسوم،والألوان.وكماأنّ للنص بلاغته ونحوه وقاموسه اللغوي،فإن للصورة أيضا بلاغتها ونحوها ومنطقها،كون الألوان دلالات تعبيرية من حيث انفراد كل لون بتفسيرنفسي جمالي وبصفته حاملا للدلالات والقيم،وقد تسبق دلالة اللون وقيمه التربيوية دلالة المكتوب وذلك لأنّ خطاب الصورة مباشر وسطحي،وجذاب وأنّ اشتغاله يراهن على فعل الغواية وسحر عين الطفل القارئة.

      فعندما  ولدت القصة  المصاحبة  للرّسم في القرن التاسع عشر، عرف أنذاك الأطفال فيها لغة إجمالية متلائمة مع خبرتهم وفهمهم للواقع ، ويكفي أن يكون ظهور جانب الرسم أو الصورة معيارا لتصنيف مستوى الكتابة  للأطفال ، حيث يفهم على أنه"فن بصري يخاطب العين عندما يحول الصورة الواقعية المشدودة بمنطق الواقع الى صورة بصرية  تكتسب وجودها من منطق آخر هو منطق الخطوط والأ لوان والعواطف . كما يفعل نفس الشيىء عندما يحول الصورة الذهنية التي تكمن في معاني الكلام الذي يؤلف النص في الكتابة"([5])، والإستعانة بالطاقة البصرية في اكتناه الموضوع القصصي ضرب من التوكيد على أسبقيته في الإتصال بالمعطيات المعرفية المحيطة بالطفل،ولا تهدف الصور المصاحبة للنص القصصي الى محاكاة الواقع الحرفي بل ترمي إلى الترميز وإضفاء البعدالقيمي والجمالي على الأشياء لتمرير خطاب ما أو قيمة من القيم .فالفنان عندما يرسم لا يهدف إلى نقل الشيء بمفهومه الواقعي "الإنسان ،الحيوان ، الجماد " فالرسوم العفوية مساعدة على التخيل المفتوح، وهي بذلك ضرب من الإنشائية التصورية ، في حين لا يمكن تجاوز خطوط الرسوم المجسدة الواقعية لأنها اكتفائية محدودة الأبعاد. يتأثر الرسام بالقيم اللونية وعلاقة الأ شكال  والخطوط بعضها مع بعض :" فتصبح الشجرة مثلا ليست الشجرة بالذات، إنما هي رمز للشجرة التي لم نرها من قبل والتي نراها الآن والتي نغرسها في الحاضر...إنها خارج منطق الحياة الواقعية المتعلق بأطر الزمان والمكان"([6])، ومعنى هذا أن أدب الطفل أقرب ما يكون إلى الفنون التشكيلية منه إلى الأشكال الأدبية المتعارف عليها لدى الكبار . فهو بذلك أقرب ما يكون الى تفسير الأشكال والألوان ، والأمكنة وهو ما يناسب نفسية الأنطباع واللعب ، والحلم وما شاكل ذلك .

        ومهما يكن فالرمز في رسوم أدب قصة الطفل لايعني بالضرورة ذلك الرمز المغلق التجريدي بل تتمثل رمزيته في الحقيقة التي يدركها الطفل على الرغم مما يلحق بها من تجريد تظل مؤطرة بحال معينة من دلالات الموضوع ، فالفنان حينما  ينشيء  الرسم التعبيري لا يعنى بتسجيل الجزئيات والحقائق المكونة له ،بل يسعى الى تحقيق تعابير عاطفية  حسية  أعمق من الحقائق الملموسة . بدافع من الإ نشاء  والإبتكار.ومفهوم التجريد هنا لايعني طمس أوإلغاء التفاصيل الواقعية الأساسية التي تحدد الماهية وتؤطر شيئية المرسوم،بل نعني بالتجريد فعل المحاكاة التي تتقصد روح وجوهر الشيء،مع العلم أنّ فعل المحاكاة في فن الرسم بالذات هو إعادة رسم الشيء واستحضاره فنيا وجماليا،تحقيقا لفكرة:كل ما دخل الفنّ جمله الفنّ وأضفى عليه مسحة إنسانية ،والمسحة الإنسانية هنا هي الضامن الأساس الذي ينقل القيم السامية الإنسانية التي تلامس بيسر وسحر روح الطفل المتلقي،فتؤثر فيه ويتأثر بها،فتكون النتيجة أنّ خطاب الصورة قد أعاد تشكيل روح الطفل وكيانه ومدّ  تلك الروح التي هي جوهر شخصيته بالقيم الانسانية ورسّخها فيه لتكون سبب توازنه النفسي والروحي،ومن ثمة تستقيم شخصيته.مع العلم أنّ الانسان بجوهره،والناس متشابهون إلى حدّ التطابق من حيث الجوهر ، والجوهرهنا هو الفطرة.التي فطر الله الناس عليها جميعا.والطفولة جوهر وفطر وإنسانية.وبالتالي فإنّ قصص الأطفال هي فضاء معرفي يتضمن قيما إنسانية بغض النظر عن مصدرها القومي أوالجغرافي،سواء كانت عربية أوغربية،هذا إذا استثنينا القصص التي تتضمن أفكارا عنصرية أوعرقية أوفكرا هدّاما كما هو معلوم في أدب الطفل العبري[7] .ويكفي أنموذجا على ذلك قصة"الأمير والقمر" للقاص العبري"يوري إيفانز".والتي تقدم كراهية العرب كقيمة قومية،ولكن بأسلوب جميل وشيّق،وهوما يمكن وسمه بـ"جمالية الكراهية" قياسا على جمالية البشاعة.

ولتقريب مدى ما يكون الرسم باعثا عليه من القدرات التخييلية الإبلاغية نشير الى ما يلازم طبيعة اللون، والحس النفسي من تركيب  دقيق متداخل إلى درجة وصفهما  بالتفاعل الكيميائي ، فقد تبين أنّ الألوان في حقيقتها مركبة من جزئيات متناهية الغور والتضاؤل، وهي في حقيقتها عبارة عن اجتماع جزئيات لونية تجتمع وتفترق بطريقة كيميائية دالة، وكذلك حال التركيب الحسي النفسي فهو أصعب من أن تضبطه ملاحظة ما، وهذا التوافق التركيبي عامل انسجام بين الوسيلتين التعبيرتين من حس ولون .

تسعى رسومات قصة الطفل الى تحقيق الإنستجابة لرغبات الطفل بطريقة عفوية هي شبيهة بعفوية الفنان "فعالم الفنانين يشبه عالم الأطفال،إنه عالم لاقيود فيه بل يمتليء بالحرية والخيال  والأحاسيس .

ويمتد الى آفاق غير محدودة يجتاز في هذا الأمتداد حواجز  المنطق الواقعي والأجتماعي المثقل بالقيود والأعراف والتقاليد الخاصة بالكبار"([8]). وربما كان ميدان الشعر أكثر مرجعية لتفسير الطفولة بالمرحلة الإبداعية المتحكمة في ما يليها من المراحل الحياتية.

وباتصاف الطفل باللعب والتجريب المجانب للجد واليقين فإنه أكثر ميلا إلى التصورات اللامعقولة لأنه يلتذ إيقاعها في باله، ولأن ذلك بمثابة سؤال التجريب الذي يحاول إعادة تشكيل العالم من خلال تجاوز النمطي والساّئد ، وهو بذلك عالم يسعى الى تحقيق نوع من وحدة الوجود وإزاحة كل ما من شأنه أن يفسد عليه ميله الى الأتحاد بهذا الكون. لذلك فالرسوم في قصة الطفل لغة ثانية، مكملة للغة الحروف بواسطتها تكتمل الفكرة ومن خلالها ينفذ الى كنه الأ شياء وأبعادها. فالرسوم بالنسبة للطفل "لغة لأنها إحدى أشكال التعبير أكثر من كونها وسيلة لخلق الجمال . ونحن نرسم للطفل ما يعرفه لا ما يراه ثم نتدرج معه حتى نقدم له ما يراه في بيئته ، والأساس الفكري للرسوم التي تقدم للأطفال يظهر في النسب التي تقدم بها الأشياء المرسومة ،حيث تقدم التفاصيل المهمة، وتحذف الأ جزاء الأخرى القليلة القيمة"([9]).

    لاشكّ في أنّ للصورة المرافقة للنص القصصي القدرة على التواصل الإيجابي مع عقل الطفل ووجدانه،وبسرعة أكثر من النص اللغوي الذي يحكي بالألفاظ والجمل وما يصاحب تلك البنيات اللسانية من صرامة نحوية وضبط لحركات الحروف ومخارجها،عكس خطاب الصورة أو الرسم الذي يتراسل   مع وجدان الطفل مجردا من كل ضابط قاعدي ،وهو ما يجعل دلالة الصورة جاهزة حاضرة ولمسية تلتقطها العين القارئة بيسروتستوعب محتواها بسرعة،مما يجعل تأثيرها لحظيا ودلالتَها أرسخ وأبقى من دلالة الخطاب اللغوي.وخاصة إذا كانت الصورة مشغولةً بعناية كما يقول أرسطو في المحاكاة،والأجمل لو كانت الصورة رقميةً ذات إخراج تكنولوجي راق.وكانت ألوانها مُحوْسبة،لأنّ كل ذلك يساعد الطفل على تذوق الصورة وتذوقها يعني إدراك قيمتها التي هي الغاية المعول عليها لترسيخها في عقل الطفل.يقول "ستانلي جاكسون":"إنّ تذوق الشيء معناه إدراك قيمته إدراكا يجعلنا نشعر به شعورا شخصيا مباشرا وفي نفس الوقت نشعر حياله برابطة وجدانية،تدفعنا إلى تقديره وحبه والاندماج فيه بحرارة وحماسة"[10]

     ويعتبر التذوّق أيضا أساس كل استيعاب قيمي وفكري يتلقاه الطفل  بصفته مرسلا إليه يعيش مرحلة عمرية يحتاج أثناءها إلى أن يعمل كاتب أدب الأطفال على شحن وتضمين نصه الموجه للطفل قيما أساسية تبني شخصيته وروحه،وبذلك"يساعد الطفل على اكتشاف ذاته ويعمل على إرضاء حاجاته النفسية الأساسية:الأمن، الشعور بالانتماء،والحب، والاحترام والتقدير"[11]

  إنّ التعويل على خطاب الصورة في تثقيف الطفل له مبرارته العلمية والجمالية،فقد أضحت الصورة المصدر الأساس في نقل الثقافة بل وفي نشر المظهر الحضاري،نظرا لما تمتلكه الصورة من عناصر التشويق وسرعة التبليغ وتجميل الموضوعات المصورة،يضاف إلى هذه الخصائص الفنية الإبداعية والجمالية ضرورة التكامل والتضافر مابين النصين أو الخطابين:خطاب اللغة وخطاب الصورة.بحيث يجب أنّ يمثل كل منهما مرآة عاكسة لدلالة الآخر،وكلاهما يوضح ما غمض في نظيره ويكمل ما قد يبدو نقصا أوخللا إبداعيا.وهنا فقط يجب الإشارة إلى فاعلية الصورة أو الرسم المرافق للنص القصصي وخاصة في المراحل العمرية الأولى،وهي مراحل لابدّ من أنّ تحتل الصورة الحيّز الأمامي من الصفحة، ثم يليها النص أوالفقرة اللغوية والتي هي من حيث البنية المضمونية تمثل فكرة ضمن سلسلة الأفكار التي تمثل في مجموعها النص أو الفكرة العامة للقصة.وهذا الترتيب منهجي وعلمي نرى أنه من الضروري مراعاته في النص القصصي المدرسي خاصة.

    إنّ تقديم الصورة على النص أو الفقرة من شأنه أن يساعد الطفل المتلقي على الاستعاب السريع والسليم لمجموع القيم والأهداف التربوية التثقيفية التي يتقصّدها التوجيه التربوي أو المنظومة التربوية من مخاطبة الطفل.لأّنّ قراءة الصورة والتعرف عن طريق البصر على ماهيتها(موضوعها) بصفتها دلالة جاهزة لاتحتاج إلى تأويل أو مرجعية معرفية من شأنه أن يشجّع الطفل على الاقبال وقراءة الفقرة المكتوبة طمعا منه في المزيد من التوضيح والشّرح،ولأن الطفل في انتقاله إلى قراءة النص أو الفقرة المكتوبة يكون قد انتقل لأهمّ عنصر تربوي مستهدف وهو تعلم اللغة في :ألفاظها، وجملها،وأساليبها..مع العلم أنّ هذه القراءة تفرض على الطفل نصيبا من المعرفة وكثيرا من التركيزوالإدراك الواعي لكل العناصر اللغوية والأسلوبية التي تكوّن النّص اللّساني وهي جميعا مفاتيح ضرورية وأكيدة لفضّ مغالق النص والتعرف على دلالاته الخبيئة ضمن ستار لغته.ومن هنا كانت ثقافة الصورة فورية لحظية وكانت ثقافة النص المكتوب بعدية ومتدرجة،وناقصة يحتاج الطفل للإحاطة بها إلى رصيده المعرفي ومخزونه اللغوي،ثم حاجته الملحة إلى معلمه أو من ينوب عن المعلم ليساعد الطفل على فهم بعض مغالق النص اللغوية أو الأسلوبية،وقد يحتاج في أحايين كثيرة إلى القاموس اللغوي لشرح بعض الألفاظ الصعبة وهكذا..وهذا كما سبقت الإشارة إليه عكس خطاب الصورة ،فالصورة تجعل الطفل يشارك في بناء دلالة الشيء المرسوم،بل وقد يتحمس فيعمد إلى تعديل شكل الصورة كما يملي عليه خياله وميله الذوقي،وقد يتمادى في فعل التصرف في هيئة الصورة فيعمد إلى تغيير بعض ألوانها في جانب من جوانب شكلها،وقد سعى بعض المؤلفين إلى تحقيق هذه الرغبة لدى الطفل فخصص بعضهم رسومات مجانبة للرسم الأصل من ذلك وضع رسوم هي عبارة عن مخطط أومشروع غير ملوّن وطلب من الطفل بتعبير صريح أن يلوّن ذلك الرسم.كما يظهرذلك في قصة"ذات الرداء الأحمر"[12] وقد كتب فوق العنوان عبارة:"اقرأ ولوّن مع" وقد جاءت هذه العبارة الآمرة غير ملوّنة ؛أي كتبت بالأبيض.وهذه تقنية فنية ذكية ولها قيمتها الجمالية الإبداعية.وما دام الرسّام فنانا مبدعا والرسم إبداعا له غايته التربوية والثقافية ،فإنّ إشراك الطفل في عملية التلوين يعني أنه مدعو ليجرب فعل الإبداع.مع العلم أنّ الرسم الذي وضع له من أجل تلوينه هو نفس الرسم أي الموضوع الملون.فقط من أجل مساعدته على محاكاة الألوان والاستعانة بما هو ملوّن وذلك كي يظهر مهاراته الإبداعية ويجسد خيالاته الجامحة التي تستريح لمثل هذه التجارب الفنية.وكذلك نهجت نفس المنهج كل من قصة"بياض الثلج والأقزام"وقصة"سندريللا"وهي جميعها صادرة عن نفس الدار"الزيتونة للإعلام والنشر.

   إنّ الحديثة عن تأليف الصورة وإخراجها إخراجا يليق بدورها التربوي والحضاري مرهون بمدى إلمام الفنان الرسام الذي هو أيضا كاتب وأديب لكن يبدع ويكتب ويخاطب  عقل الطفل وذوقه بالرسوم والخطوط والألوان،مدى إلمامه بفنيات الصورة،وخطورة(أهمية)رسالتها التربوية والحضارية،ومعرفته واطلاعه على التقنيات الفنية التكنولوجية التي تقف وراء جمالية الصورة ونصاعتها ومظهرها الإشهاري الفاتن،المبهر،وخاصة الإخراج الرقمي الذي جعل من الصورة حضارة جارفة وشاملة،حتى غدت الصورة وخاصة الرقمية منها خطابا يقول حضارته ويملي توجهاته ويلغي كل اعتبار قومي أخلاقي أوسياسي،ولم يعد للخصوصية مكان يقيها من "تسونامي" الصورة الرقمية ،فقد أصبح جليا أنّ من امتلك خطاب الصورة إنتاجا وإرسالا وإبداعا امتلك بها عقل الآخر،ومن ثمة أصبحت ناصيته بيده يقلبها كيفما شاء ومتى شاء.

     ومن هنا تتجلى حساسية الكتابة للطفل ومدى خطورة هذا الخطاب أي خطاب الصورة وكيف أن الصورة تسعى إلى تهميش الخطاب اللغوي بعد أن ظلّ سائدا يصنع حضارة البشر،على الرغم من أنّ الحضارة الإنسانية بدأت صورة وظلّت سائدة دهورا إلى أن اكتشفت الكتابة متأخرة ،وسادت وتعلمها الناس فصارت وسيلة لتخاطاباتهم وتسجيل آثار الشعوب الحضارية والتاريخية،وبرغم من تميّز اللغة ببطء حركتها وانتشارها لأنها ببساطة تحتاج إلى من يتعلمها ويتقنها ليتسنى له استعمالها والتواصل بها،فإنها مع ذلك وجدت القنوات والوسائل التي ساعدت على انتشارها،في حين لم يتوفر للصورة تلك القنوات والوسائط إلى أن جاء العصر الحديث وجاءت معه الثورة الصناعية والتكنولوجيا فسرّعت حركة الخطاب اللغوي وطورته،إلاّ أنّ الثورة التكنولوجيا أفادت الصورة بشكل كبيروسرّعت تطورها وانتشارها،ومع الأقمار الاصطناعية والفضائيات والانترنيت والحاسوب ومايلحق هذه المجالات التكنولوجية من أجهزة ووسائط ساعد على صناعة الصورة فصارت بذلك الخطاب المفضل لدى المجتمعات والأجيال التي وجدت في الصورة مظهرا حضاريا وثقافيا،حتى صارت الصورة وخاصة الصورة الرقمية بتبرجها الإخراجي لونا ونوعيةً فتنةَ الناس وإدمانهم الذي لاعلاج له إلاّ بفقه ثقافة الصورة والتحكم في مصدرها وفكّ شفراتها ورموزها واستيعاب دلالاتها وتوخي مقاصدها الهدامة أحيانا.

      فمنذ أن تحدث "آبل جونز" بقوله أن العصر الذي نعيشه هو عصر الصورة وهذا المفهوم متداول إلى يومنا هذا،وقد أشار بعده الناقد والمحلل السيميائي "رولان بارت ـ Roland Barthes" في مقالته المشهورة في مجلة"تواصلات" بأننا نعيش حضارة الصورة.بالرغم من تحفظه على هذا النعت الذي يعد مصطلحا جديدا على المفهوم النقدي السيميائي لديه لأنّ حضارة الكلمة مازالت هي المهيمنة أمام زحف العوالم البصرية.لأنّ "بارت" كان يرى في الصورة نسقا سيميائيا يمكنه أن يدلّ أو يخلق تدلالا تواصليا.على الرغم من أنّ الصورة عاجزة عن أن تقول كل شيء في غياب المرافق اللساني لها،وذلك لأنّ معانيها عائمة متعددة العلامات والتواصل لايتمّ من العدم.[13]

    إلى حدّهنا يمكننا الالتفات إلى أهمية الصورة مرة أخرى لنتأمل أهميتها الفنية والأدبية والتربوية وكيف يمكنها أن تثريّ ثقافة الطفل ومن ثمة تبني شخصيته النامية،وأيضا مدى أهمية الصورة في بنية النص القصصي،واستحضارموضوع النص المعنوي وعرضه أمام عين الطفل القارئة،ومن هذا تكون الصورة وسيلة فعالة لتجسيد القيم وتقريب مدلولاتها من عقل الطفل،وكيف تدمجه في فضائها السّاحر وجماليات ألوانها وشعرية تجاور الخطوط وتداخل الأجزاء في الكل وتراسل الأبعاد بالمقرب البيّن.وما إلى ذلك من أنساق الصورة وبنياتها الجمالية وكلها يمكن إدراجها ضمن مصطلح التأليف والتوليف والتحبير والنظم وغيرها من أساليب الكتابة اللغوية،وكلها عناصر بلاغية شبيهة ببلاغة اللغة.

    ومن هنا أيضا يتجلى لنا الجهد والمهارة والتدبّر الذي يجب أن يتحلى به كاتب أدب الطفل وهوجهد لابد من توفره في القاص.فتكوين الانسان"الجديد يفترض جهدا عملاقا في جميع مجالات الحياة والعلاقات الإنسانية ،هذا الجهد يبدأ منذ الطفولة،ويجب أن يستمر خلال فترة الشباب،ولا يجهل أحد الأهمية التي تأخذها هذه الفترة الحرجة في تربية الإحساس،والخيال،وتشييدها في القناة  الصحيحة بواسطة أفضل الكتب"[14]

     إنّ بناء إنسان الغد  وإعداده روحيا وعقليا ليكون صالحا لنفسه ومجتمعه مرهون في اعتقادنا بجودة الكتاب صناعة (طباعة وإخراجا) والقيمة المعرفية والفكرية التي يتضمنها دون الافصاح عنها  بشكل يجانب التلقين والإلزام،فإن تحققت هذه الشروط الكتابية التأليفية يمكن أن يفعل أدب الطفل العجب وقد يغير مسار أمة وليس مسار طفل يقول "فرانسيس فيدال ـ francis vidal":"إنّ كُتّاب الطفل يمكن أن يغيروا ذوق العالم بل يمكن أن يغيروا العالم نفسه"[15].

     إنّ تغيير الذوق هدف أساسيّ في مقصدية الكتابة للطفل، وغاية يهدف إلى تحقيقها الكاتب حين يتوجه بكتابته للطفل الذي يرى فيه طرفا هاما في فعل الكتابة نفسها.آملا في أنّ تسهم قصته في نضج عقل الطفل وتساعده في الآن على فهم الحياة فهما صحيحا،ليشعر أنه محط رعاية الكبار والمجتمع ويكون ذلك عامل تلاحم وجداني وروحي في نسيج المجتمع الذي قد يستعجل نموه ويستشرف مراحل عمره المستقبلية ليرى ثمرة جهده التربوي له وعطاءات رعايته السابقة.يقول "جان جاك روسو":"دعوا الطفولة تنضج في الأطفال، واحترموا الطفولة ولاتتسرعوا في الحكم عليها خيرا أم شرّا.إنّ الإيقاع البطيء لزمن النمو ليس شرا نحتمله،بل وظيفة ضرورية للنّمو،إننا نرعى  النبتة بالحراثة ونبنيّ الإنسان بالتربية"[16].

     نحسب أن تحقيق أهداف الطفل لاتتحقق ولافائدة ترجى من أدب ومن القصة بالذات التي هي في بنيتها نصان؛لغوي وصورة،لن تتحقق تلك الأهداف المرجوّة إلاّ إذا ربينا القيمة الذوقية في روح الطفل،وحببنا بطرق فنية إبداعية وجمالية الكتاب بصفته قيمة فكرية وثقافية وقبل هذا متعة ولذة تحرك فيه رغبة القراءة وحب الاطلاع،وأن يكون الكتاب والقصة بصورها الجميلة عاملا حاسما في اظهار الجانب الجميل والفاتن في الحياة،حتى ولو كان موضوع القصة الحزن والكآبة واليتم والفقر..فعل المؤلف وعلى الرسام أن يجعلا تلك الصورة ذات الموضوع الحزين مصدر إلهام للصبر والتفاؤل وأنّ الصورة التي تظهر الدمع في عين الطفل الحزين تشعر الطفل القارئ بالشفقة والتعاطف مع الآخر،وتذكره بأقرب زملائه اليتامى المفجوعين الواقعيين سواء في المدرسة أو حتى في حيه،وجيرانه.فقد تلهمه تلك الصورة الحزينة بأسمى القيم الأخلاقية التي يعجز المعلم عن غرسها في نفس الطفل البريئة.

    ذلك أن الطفل سرعان يربط هذه المواقف التي تخاطبه من خلال النص اللغوي أو الصورة،يربطها بواقعه وبتجربته الحياتية."فالتجربة الذاتية الواقعية إذا صيغت حبكتها بصورة مثيرة يكون لها أهميتها في خطاب الطفل،ثم إنّ التجربة القصصية التي ترتبط بحياة الطفل وواقعه هي وسيط فاعل يعمل على لقاء الفرد مع ذاته"[17]

     فكيف لو كانت الصور رسوما متحركة تخاطب الطفل مباشرة وتبثّ حزنها وهمها إلى الطفل مباشرة وتبكي بدموع رقمية محوْسبة وقد ارتفع عويلها واختنق شهيقها والذي ـ هو واقعيا ـ صوت الطفل الممثل.الذي لم ينتبه الطفل إليه ولايحب أن يعلم حقيقته،لأنّ في ذلك مفسدة مهلكة لخياله المجنح الذي يأبى النزول إلى أرض الواقع،مفضلا أن يظل حائما بين غيوم وهمه وظنه.متلذذا بالإيهام والعجائبي واللاواقع.

 

تعليمية الصورة.

     إذا كانت الكتابة الأدبية تسعى إلى جعل الألفاظ تنسى ماضيها أي دلالتها الصريحة،وأنّ عليها أن تقول ما لم تقله من قبل ،وأنّ  عليها أيضا أن تتمرّد على النّموذج الذهني ،فإنّ وضع الألفاظ في أدب الطفل أعقد من هذا وأصعب لأنها مطالبة تأليفا أن تنزل إلى مستوى قامة الطفل وأن تتضاءل بكبريائها المتوارث أمام متلقيها الصغيربكبريائه العنيد وشقاوته التي ترفض التخلي عن عاداتها وفطرتها،ولن يفلح كاتب الأطفال أمام هذه الخصائص والطباع الطفولية إلاّ إذا خاطب الطفل بلسانه وفكره وذوقه،واستنطق طفولته الآفلة في آفاق كهولته ،حينها فقط سيكسب ودّ الطفل وحينها سيصغي إليه متأدبا بل يعيطيه كل جوارحه ووجدانه وهو يسمع له متلذذا بقصته التي ترويها لغته التي تنوب عنه الآن في سرد تفاصيل القصة،ولكن بأسلوب الطفل وقد تخلت تلك اللغة أيضا عن خطاب الكبار،وثراء دلالاتها وكفت نهائيا عن لعبة الإغماض وإخفاء المعنى.وألغت تبرجها الذي هوسبب فتنتها ،وقد تعوّذ الجاحظ قديما من فتنة القول أو الكلام.

      إنّ لغة أدب الطفل مطالبة بتجسيد الصورة الذهنية وتقريبها من عقل وإدراك الطفل القارئ،وحتى تتحقق تلك الغاية على الكاتب أن يعمد أسلوبيا إلى الرسم بالكلمات،والتركيز لغةّ على الصفات ومتممات الجملة كالإضافات والنعوت وشبه الجملة وما إلى ذلك من المتممات التي توسع الموصوف وتحيط بهيئته تشكيلا وتحقيقا وإبرازا لخصائصه، وتحديد مكوناته ومتمماته. ومن هنا  ربما كانت الصورة الفنية المحققة باللفظ أكثر بلاغة وأدبية من الصورة التشبيهية أوالبلاغية عموما.لأن في التصوير والوصف بالألفاظ وحده يَظهَر جهدُ الكاتب وقدراته الخاصة في إنشاء الصورة. ذلك لأن الصورة التشبيهية قالبها سابق عليها ولا تحتاج إلى كثير من الجهد والتدبر والحيلة.

    في مقابل هذا على الفنان الأديب الرسام للأطفال أن يحذوّ حذو المؤلف في كيفية تحديد الصورة التي هي الموضوع المتضمن في النص اللغوي،فقط إنه يختلف عنه في الوسيلة التي يجسد بها عمله أي الصورة أو الرسم.فإن كان الأول يتخذ من اللغة ؛ألفاظا وجملا،وتراكيب،وأساليب يحقق بها موضوعه،فإنّ الرسام وهو الشخص الثاني الذي يشارك المؤلف في إنجاز نص القصة يعول على الألوان والخطوط،أمّا أسلوبه فهو التركيب بين الألوان والمزج بينها،وتأليفها بشكل إبداعي،مراعيا في ذلك كل تفاصيل الشيء المصور أو المرسوم،ومتعاملا مع طبيعة الألوان بصفتها عنصرا بلاغيا وإيحائيا لها رموزها الدالة،ولها سيميائياتها المرجعية التي توصلت إليها الدراسات النفسية والتربوية،والتي من شأنها أن تؤثر في الطفل وتوجهه الوجهة التي يتوخاها الرسام الفنان،وكل ذلك تحقيقا لغاية محددة وهي تعليمية الصورة ورسالتها التربوية التي ستفعل فعلها الذي يتجاوز فعل اللغة لكن  بشرط وهوإذا أحكم التأليف وتصميم الشيء المرسوم،وكان الرسم إبداعا لونيا يضاف إلى إبداع اللغة.وبعد ذلك يمكن للفنين؛النص اللغوي والرسم أن يتراسلا تناغميا وأن تتوحد فيهما الرؤيتين الإبداعيتين؛رؤية المؤلف ورؤية الفنان.وذلك لأنّ الصورة أيّ صورة هي ملتقى كل الفنون،ولأنّها نواة كل عمل فني قولي أو غير قولي.ولأنها حضارة الشعوب بدأت بالصورة ،وحضارة العولمة الآن هي حضارة الصورة،.أي كل الفنون مهما اختلفت تدور في فلك الفكر والخيال لتعود إلى موضِعها الأصلي وهو الصورة البصرية.

     لقد" اختلفت نظرة العصور المتباينة إلى الفعالية المباشرة والمدى والأهمية التي تنسب إلى ما يكون بين الفنون المختلفة من تأثير وتداخل وتغلغل متبادل.وقد شغلت العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر،الشعراء والنقاد والرسامين أكثر بكثير من العلاقة بين الشعر وباقي الفنون."[18]

     وقد عبّر "سيمونيدس الكيوسي  468 ـ 556 ق.م(من جزيرة كيوس في بلاد اليونان) عن علاقة الشعر بالرسم حين قال:"إنّ الشعر صورة ناطقة أورسم ناطق،وأنّ الرسم أو فن التصوير شعر صامت وقد ترددت هذه العبارة على لسان "هوراس" الشاعر الروماني(8ـ -65 ق.م) في كتابه "فن الشعر"..وتتكرر هذه العبارة نفسها على لسان كاتب لاتيني متأخرهو سيدونيوس حوالي(430ـ 485م) حيث يقول:إنّ التصوير شعر صامت والشعر صورة ناطقة،وقد رسم في شعره مشاهد تخاطب كل الحواس."[19]

       وليس مهما هنا إن كانت العلاقة بين الشعر والرسم أو بين القصة بصفتها نثرا،فالمهم هو علاقة المقول الفني الأدبي مع فنّ الرسم ذلك لما يتحقق بينهما من تراسل وتداخل شاعري وإيقاعي.وما ذكر الشعر هنا إلاّ لأنه كان ديوان الشعوب وخاصة عند اليونان.ولأنه أكثر الفنون القولية إيقاعا وأظهرها نظما.ولكن جميع الفنون هي صدى لذلك الإيقاع الموجود في النفس البشرية.فالإيقاع.وكل من الرسم والفنون القولية هي محاكاة لمظاهر الطبيعة وعناصرها،فقط الإختلاف في أنّ أحدهما يتوسل باللون والظلّ والآخر بالكلمة،لكنهما يتقاطعان في محور النفس البشرية حيث التأثير الجمالي والقيم السامية التي يخلفها ذلك الفن في نفس المتلقي.والحال التي تنقاد فيها النفس الذواقة إلى مكمن النبض الجمالي،وقد زيّن لها ذلك الفن الشيء المحاكى فجمّله،فتمت غوايتها وتحققت متعتها،وفي هذا قد أشار"أرسطو" في كتابه"فن الشعر"في الفصل الرابع من كتابه.إلى أنّ الناس"تجد متعة في رؤية الشبيه لأنّ في الاستدلال والتعرف إلى النموذج متعة ولتفسير هذا الاسدلال الفطري كتب:أننا وبشكل خاص نستمتع بالنظر إلى صور الأشياء المشغولة بعناية والتي لانطيق رؤيتها في الواقع مثل أشكال الحيوانات التي تبعث على التقزز أو الجثث"[20]

    ونستنتج من هذا ـ كما أشرنا سابقا ـ أن فعل المحاكاة يمربثلاث مراحل هي: انتقاء عناصر الطبيعة،ونقل تلك العناصر إلى النص الفني، وتجميلها أسلوبيا.كما نستنتج من فكرة أرسطوأنه"إذا كنا نحب مشاهدة الصور،فذلك لإننا نتعلم بالنظر إليها"[21]

    إلاّ أنّ الصورة التي تعلم الطفل تحتاج إلى تدبّر خاص ومعالجة إبداعية جمالية يراعى فيها القدرات الإدراكية لدى الطفل وكذا جانبه النفسي والعقائدي، وذلك لأنّ الطفل كائن ضعيف أمام تيارات الواقع يصعب عليه مجاراة الكبار في تفكيرهم وتصرفاتهم.وحتى تكون الصورة تعليمية نافعة ترفد البرنامج أو المنظومة التعليمية وتعاضدها بشكل خفي بعيدا عن التقريرية والإملائية.وجب شحنها بطاقة إيحائية جمالية ظاهرها اللوني الممتع،وباطنها قيم سامية تتسلل عبر المظهر الجمالي إلى نفسية الطفل فتسكنها بلطف ويُسرٍدون أن تقلقه،أوتشوش متعته.

    من جهة يكون أدب الأطفال هو الفنّ الوحيد الذي جسد فكرة أرسطو التي جمعت بين الصورة الفنية الذهنية في الشعر والصورة البصرية في الرسم.وهي النظرية التي قال بها النقد العربي القديم في نظرية النظم كما هو عند "الرماني،وإبن جني،والعسكري،والزمخشري ،وإبن سنان،وإبن رشيق".إلاّ أنّ الجاحظ كان أكثرهم دقة في تحديد طبيعة الشعر حين قال هو"ضرب من النسيج وجنس من التصوير"

 فلوجمعنا مكونات هذه النظرية واسقطناها على البنية التركيبية التشكيلية لقصة الطفل أو النص الموجهة للطفل رأينا كيف أنّ الصورة المرافقة للنص اللغوي في أدب الطفل التي تجمع بين الصورة الذهنية التي يسعى المتلقي الراشد إلى الإحاطة بكنهها ومن ثمة النظر إليها بعين العقل والتمتع بها.والصورة المجسمة أو البصرية التي ماهي سوى الصورة الفنية الذهنية.والتي إذا تأملناها مرة أخرى ألفيناها تتضمن في نسيجها اللوني ثنائية المقول والمرسوم.

    وهذا هو المنظور الفني الجمالي الذي توصل إليه عبد القاهر الجرجاني معتمدا في بناء رؤيته على مقولة الجاحظ السابقة حين دافع عن الصورة والاستعارة"والتمثيل وجمالها وتأثيرها إلى قدرتها على تجسيم المعنوي وتقديمه تقديما حسيا وتشخيصه وبثّ الحركة فيه حتى ليكاد تراه العين،وترد روعة الشعر إلى براعة التصوير ويقارن بين عمل الشاعر وعمل الرسام،على أساس أنّ الإحتفال والصنعة في التصويرات والتخييلات الشعرية تفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس الناظر إلى "التصاوير" التي يشكلها الرسام"[22]

     يقول عبد القاهر الجرجاني:"فكما إنّ تلك تعجب وتخلب وتروق وتدخل النفس من مشاهداتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها،ويغشاها ضرب من الفتنة لاينكرمكانه ولايخفى شأنه،كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور ويشكله من البدع ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهم بها الجماد الصامت في صورة الحي الناطق ،والموات الأخرس في قضية الفصيح المعرب والمبين المميز،والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد"[23]

    نحسب أنّ مثل هذا التصور يخدم بشكل مباشر أدب الأطفال مع بعض التعديلات التي تفرضها طبيعة الطفل المعرفية والنفسية وقد تكون لفظة "التبسيط" أنسب لمعنى التعديل،كما نحسب أن الأعمال ذات الطابع الإنساني هي القادرة على مخاطبة عقل الطفل بغض النظر عن عرقه وجنسه.فانظر إلى الأعمال العالمية كيف استطاعت مخاطبة الأطفال في كل مكان وعبر أزمنة متتالية.فقط لأنها تتضمن قيما إنسانية راقية وراسخة في نفسية كل طفل.بل وفي نفسية كل كبير.فمثلا"عندما كتب عالم الرياضيات charles lotwing dogssen باسم مستعاروهو"لويس كارول"لأول رواية للأطفال وهي"Alic’s adventures in wonderland ـ أليس في بلاد العجائب" لم يكن مطروحا أنذاك فكرة الفئة أو الثقافة التي يمكنها أن تحتضن هذه القصة الشيّقة والمتشابكة والتي يقال أنها عبارة عن حدث واقعي استغله الكاتب لأثبات مزاجية الأطفال في سنّ معينة وخيالهم الخصب ومداه"[24]

 

أليس في بلاد العجائب

    والسّرُّ في قصة "اليس في بلاد العجائب" يكمن في شفراتها ورموزها التربوية الجذابة .وخاصة في نسختها الكرتونية ذات الإخراج الجميل.فهي تنفع كرسالة تربوية في" تهذيب سلوك تطفلية جمة ويقف عندها الطفل بكثير من التأني والحذر عند مواجهته لمواقف كثيرة تصادفه على مدار حياته اليومية في المدرسة ،الشارع،أو البيت،وتعلمه أيضا أنّ الطاعة في البيت ضرورية ومسعى،وبهذا لم يحدد إذاما كان الطفل شرقيا أوغربيا،بل الهدف كان الطفل فحسب"[25]

    ومن هنا فإنّ الجامع بين قصص الأطفال أو الكتابة للأطفال هو الهدف التربوي الإنساني مع مراعاة الجانب الهام من الخصوصية القومية والعقيدية لكل أمة،فقد ينفرد أدب الطفل في البلاد العربية والإسلامية بمواضيع تخصه وتصبّ في جوهرشخصيته وأهمها القصص الديني الإسلامي الذي يتناول موضوعا ما عن شخصية ما،أو قصة من قصص سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم،أوقصة تاريخية من قصص الفتوحات،أو غزة.أو قصة من تاريخ ثورة التحرير الجزائرية مثل قصة "الرايس حميدو" التي تتناول الغز الإستعماري الفرنسي للجزائر.وقد رافقت النص صور جميلة معبرة.

    وهي قصة تربوية لها قدرة النفاذ إلى عقل الطفل الجزائري،وقد تحقق ما لم يسطع المعلم أن يوصله للطفل من قضايا مقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي.

  لاشك في أنّ التعلم والتثقف عن طريق الصورة أكثر نفعا وجدية من التعلم عن طريق النص اللغوي،سواء المدرسي الرسمي،أوذلك النص القصصي المجرد من الصورة التي ترافقه وتحكي نفس الحكاية التي يحكيها النص اللغوي.فالتعلم"بواسطة صورة الحكاية المصورة مختلف عن التعلم بواسطة شريط سينمائي،أوالتعلم بالصورة الإشهارية وهلمّ جرا.فإذا كان كل نمط  من هذه الصور يختلف في بنياته،وكيفيات اشتغاله ،فإنّ التعامل معه أيضا مختلفا تباعا لذلك"[26]

        فالكتابة للطفل"نوع من التربية،وعلى جانب كبير من الفاعلية والتأثير وأنّ كاتب الأطفال هو مربي بالدرجة الأولى،وأنّ الاعتبارات التربوية يجب أن تحتل مكان الصدارة في أيّ عملية موازية بين الاعتبارات،ولايجب أن تصل الكتابة للأطفال إلى أهدافها على حساب الاعتبارات التربوية أوالنفسية"[27]

   يبقى في الأخير أن نؤكد على أهمية الصورة في العملية التثقيفية التعليمية عند الأطفال.فقط يبقى على رسام أدب الطفل أن يراعيّ القدرات الإدراكية للطفل،فكما يجب تحاشي الإغماض الدلالي في النص اللغوي،فعلى الرسام أيضا تحاشي الغموض في الرسم،وخاصة في تعامله تأليفا مع الألوان من حيث تجاورها وتداخلها،وطبيعتها؛الغامق والفاتح،والتركيز على الألوان المفرحة،والألوان الأساسية القاعدية،وأن تكون الألوان مشغولة بعناية كما قال أرسطو حين تحدث عن المحاكاة.

وعموما فقد وضع الجشطالتيون خمسة قوانين لإدراك الصورة وهي[28]:

1ـ قانون الصغر:الشكل الصغير يبرز عن عمق أكثر كبرا

2ـ قانون البساطة: الشكل البسيط أبرز من الشكل المعقد

3ـ قانون الانتظام: التقسيم المنظم للأشكال يؤثر في العملية الإدراكية

4ـ قانون التقابل:التقسيم التقابلي لعناصر شكل معين يؤثران في الإدراك

5ـ قانون الاختلاف: الشكل المختلف الغريب يبرز بشكل أفضل.

   يمكن أن تُعتمد هذه القوانين الخمسة في أيّ صورة أو رسم يُتخذ وسيلة تربوية (تعليمية)أوغير تعليمية.  

 



[1] ـ ابن منظور:لسان العرب. مادة:صورة

[5] ـ نذير نبعة: ملاحظات حول دور الرسم في كتب الأطفال.مجلة الحياة الثقافية.ع:4. ص:119

[6] ـ نديرنبعة.المرجع السابق.ص:119

[7] ـ أنظر:     www.drmosad.com

[8] ـ   نديرنبعة.المرجع السابق  .ص:119

[9] ـ د. حسن شحاته. قراءات الأطفال.ص:77

[10] ـ     Henri wallon .les origines du caractére chez l’enfant.quadriage.Poche.4éme Edition.1998.P146 

[11] ـ ي، بتراند:النظريات التربوية  المعاصرة.ترجمة:محمد بوعلاق.قصر الكتاب.2001. ص:33

[12] ـ الزيتونة للإعلام والنشر.باتنة ـ الجزائر.د،ت/ د،ط.

[13] ـ عبد المجيد العابد       www.omferas.com

[14] ـ إلغا مارينا.أدب الأطفال والفتيان في العالم,ترجمة:نادر ذكرى.دار الحوار اللاذقية .ص:81

[15] ـ علي الحديدي. الأدب وبناء الانسان.الأنجلو المصرية.1980. ص:57

[16] ـ اخذا عن.فاطمة الجيوشي:فلسفة التربية.جامعة دمشق. 1981  ـ 1982 . ص:74

[17] ـ علي الحديدي:في أدب الأطفال. القاهرة.الأنجلو المصرية.ط2. ص:36

[18] ـ كلود عبيد:جمالية الصورة. في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر. مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.ط1. 2011. ص:11

[19] ـ كلود عبيد: جمالية الصورة. ص:11

[20] ـ كلود عبيد: جمالية الصورة. ص: 12

[21] ـ كلود عبيد: جمالية الصورة.

[22] ـ كلود عبيد. جمالية الصورة.  ص: 15

[23] ـ نقلا عن:كلود عبيد. جمالية الصورة.ص:15

[24] ـ olivier diffault. Il était une fois les contes.Broché.2001P108

[25] ـ Dennis Boyes.initative et sagesse des contes de fées.Poche.1988.P 64

[26] ـ عبد المجيد العابد:www.omferas.com

[27] ـ اسماعيل عبد الفتاح,أدب الأطفال في العالم المعاصر,مكتبة الدار العربية للكتاب,2000, صص:28ـ 29

[28]ـ عبد المجيد العابد:www.omferas.com