التّجريب السّردي الرّوائي عند "الطّاهر وطّار"

 

                 التّجريب السّردي الرّوائي عند "الطّاهر وطّار"

                 منجز:الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي

                                                                      أ.د.عميش عبد القادر

                                                                          

 

        عرّفت "ناتالي ساروت nathalie sarraute" الرواية بأنها:"عملية بحث دائم يسعى إلى تعرية واقع مجهول وأن اكتمالها وكمالها مرهونان ببحثها المستمر ،إنها مغامرة ومجازفة"

   وانطلاقا من هذا القول نحسب أن "ناتالي ساروت" كانت تعني فيما تعني أن الخطاب الروائي أساسه التطور والبحث المستمر عن سبل وآليات سردية خطابية مغايرة لكل ثابت ونمطي،فالبحث الدائم الذي تتميز به الرواية هوما يجسده معنى مصطلح"التجريب" والذي يعني أيضا طبيعة الخطاب الروائي الذي يعكس طابع الحياة التي لاتستقر على حال،كل ما في الحياة متحرك،يأبى الاستقرارفي:الأفكاروالأفعال،  وذلك دليل على تطورها وتبدلها سيرا على ناموس الحياة.وما دامت الرواية واقعا افتراضيا فهي كذلك متحركة ،تتفاعل مكوناتها اللغوية وغير اللغوية.بل كل تأثيثاتها متفاعلة بشكل تكاملي.

  هذه الحركية التي تعرفها الرواية تعبر عن طموحاتها التحررية"لتنتقل بعد ذلك تبني تكوينية حديثة للنص من خلال التجريب لأنه يتمثل في ابتكار أساليب جديدة في أنماط التعبير الفني المختلفة"[1]

     لقد حددّ د.صلاح فضل ثلاث دوائرأو بنيات لتعريفه لمفهوم التجريب وهي([2])

ـ ابتكارعوالم متخيلة جديدة لاتعرفها الحياة العادية ولم تتداولها السرديات السابقة مع تخليق منطقها الداخلي وبلورة جمالياتها الخاصة،والقدرة على اكتشاف قوانين تشفيرها وفك رموزها لدى القاريء العادي بطريقة حدسية مبهمة ولدى الناقد بشكل منهجي منظم.

ـ توظيف تقنيات فنية محدثة لم يسبق لاستخدامها في هذا النوع الأدبي،وربما تكون قد جربت في أنواع أخرى تتصل بطريقة تقديم العالم المتخيل وتحديد منظوره اوتركيز بؤرته.مثل تقنية تيار الوعي أو تعدد الأصوات..

ـ اكتشاف مستويات لغوية في التعبير تتجاوز نطاق المألوف في الإبداع ويتم عبر ذلك عبر شبكة من التعالقات النصية التي تتراسل مع توظيف لغة التراث السردي أو الشعري أو اللهجات الدارجة أو أنواع  الخطاب الأخرى لتحقيق درجات مختلفة من شعرية السرد.

    إلاّ أن أهم مكون في فعل التجريب الذي يعول عليه الروائي في إبداعه للنص الروائي التجريبي هو المكون الأول أي ابتكارعوالم متخيلة جديدة.فهي أكثر الدوائر التجريبية شعرية وفانتازية، وذلك للتعبير عن رؤية"مغايرة تقدم تحولا في العلائق مع الطبيعة ومافوق الطبيعة مع الذات الخفية ومع الآخرين،مع الواقع واللاقع...ومثل هذا التحول على مستوى بنيات المجتمع هو الذي يبرر التحول من متخيل "سائب"إلى جنس تخيلي يسنده وعي ولغة متميزة وتيمات تكتشف المجهول وتوسع من دائرة الأدب"([3])

      لقد جاء التجريب الروائي استجابة لرغبة الروائيين الملحة في خرق الثابت والراكد والنمطي على مستوى النص الروائي،وهي رؤية إبداعية مشروعة لكل روائي تواق إلى البحث عن كل جديد في صناعة الخطاب السردي الروائي،والبحث عن أدوات وصيغ وتراكيب لغوية وحيل سردية، وعن كل ما يمكن إدراجه تحت مفهوم التدبّر في فن السّرد.

      لقد جاء التجريب الروائي عند الطاهر وطار نتيجة تضافر عدة عوامل فنية وإبداعية منها حسب اعتقادنا تراكم نصوص روائية تتقارب في الرؤية الفكرية والجمالية وتمثل هذا التراكم الإبداعي في الأعمال التالية:"القصر والحوات"و"عرس بغل"و"الشمعة والدهاليز"و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"وأخيرا روايته الأخيرة"قصيد في التذلل"  وكلها اتسمت بمميزات التجريب وعناصر المغايرة والخروج عن السائد والنمطي سواء في جانبها الفني أوالمضموني. حتى إذا ما أحصينا عناصر التجريب فيها تحصلنا على مجموع العناصر التجريبية التالية :

1ـ تراكم الكم الروائي الذي شكل دفعا قويا للمساءلة وخلخلة الثابت والقدرة على تجاوزه (أكثر من عشرة أعمال روائية).

2ـ  ظهور النص الروائي التجريبي في مناخ  اجتماعي قلق وتراكم الأزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية نتيجة الاستبداد والقهرأو أحيانا الهزائم أو القمع.وأحيانا أخرى نتيجة تمزق في الهوية والغربة النفسية وانسداد السبل وضبابية الرؤية وغيرها من المحبطات للعزائم.(قد تجتمع هذه كلها في "المأساة الوطنية". 

 3ـ امتلاك النص الروائي أدوات التجاوزوالتحرر من سطوة النسج على المنوال وكذا القدرة على حوارية اللغة أي أن اللغة لم تعد وسيلة أو قناة لصناعة الخطاب الروائي بل صارت هدفا فنيا يبحث له عن مكان بين مكونات النص الروائي. وهو ما أظهر اللغة في أرقى تبرجها وغوايتها على حد تعبير الجاحظ.

4ـ التخييل الذي أضحى سمة دالة على شخصية التجريب وسرد الذاكرة حتى سمّي هذا النوع من الرواية: رواية الذاكرة. ورواية الحلم والرؤيا والشطح القولي والتشظي أي تشظي النسج وتشظي الزمن وتشظي الشخصية.. .

5ـ عجايبية التأثيث السردي  وسحريته: الشخصية العجائبية والأشياء المؤنسنة واللازمن واللامكان. خاصة في:الشمعة والدهاليز/الولي الطاريعود إلى مقامه الزكي/الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء/ قصيد في التذلل/ .

6ـ التبئير الحلمي والرؤيوي على الطريقة الصوفية. حيث تجسد التبئير الحلمي والرؤيوي الصوفي في:الولي الطاهر.

7ـ استغلال أسلوب الحكي الصوفي والتراثي في تشكيل البنية السردية للمحكي سواء على المستوى اللغوي ـ اللغة التراثية لفظا وجملا ـ أي صيغة المقول ،أو على مستوى الفكرة(نقصد نقل المعلومة أوالمقولة التراثية وتبنيها حكائيا).[4]  

8ـ إلغاء افتراض وجود ماهية معيارية مسبقة وثابتة لجنس الرواية. أي نفي النموذج المسبق أو المتعالي.

9ـ اسقاط الحدود الفاصلة بين الرواية وباقي الأجناس الأدبية واللاأدبية قولية وغير قولية( السينما ،الوثائق،الأجهزة.الهاتف كشخصية ناطقة فاعلة...إلخ).

10ـ انصهار الذات الكاتبة (الجسد) في مادة الكتابة من خلال توظيف "ألأنا" للمكاشفة وتعريتها بالانعكاف عليها بالقول والوصف لاكتناه مضمر العلاقات الباطنية التي تحكمها المتسمة أبدا بالقلق،والتوتر،والظن،والتوجس ،وقليلا من يقين عابر،كما هو جلي في "قصيد في التذلل".ومن هنا تصبح الذات الكاتبة شخصية متفاعلة مع باقي الشخصيات وليست راوية فقط. وهي بذلك تصنع لعبة الضمائر وتبادل الأدوار وقد يستدعى القاريء صراحة للانخراط في دائرة لعبة الضمائر،لصناعة العجيب والغريب والمدهش.

11ـ تركيب العالم التخييلي بالواقعي المستحيل وبالواقع المحتمل عن سبيل تأثيثه بالحلم والانتقاء لعناصرالواقع.فيتولد لدى الذات الكاتبة ولع عارم بفلي التفاصيل وأجزاء الأجزاء المجزءة الموغلة في التشظي والتبدد.بحثا من الكاتب عن صناعة شهوة الحكي .وحيث يصير الجسد في لحظة التجريب نصا يحكي حكايته،وهو يفعل ذلك يبقي وعيه يقظا محافظا على أصل الأصل في الرواية وهو "الحوارية" لأنها جنس الرواية وشخصيتها الثابتة أبدا.

 اختصارا توظيف كل ما يمكنه تحقيق فعل التجاوز والخرق لبنية المألوف والتقليدي.وفي الأخير يمكن الإشارة إلى أن التجريب الروائي عند "الطاهر وطار" لم يصل إلى الشطط في النسج الحكائي المبالغ فيه من حيث الغلو في فتح المتن الروائي على فوضى الترتيب الزمني (السوابق واللواحق)،ولا إلى عبثية المحكي الذي يقول كل شيء ولايقول شيئا محددا،كما أن "الطاهر وطار" ظل يحافظ بوعي إبداعي على الخط الدرامي للحكي في كل أعماله التي ذكرناها.لأنه يدرك أن الحفاظ على الخط الدرامي يقي ويجنب المد السردي واستغراقه من زلل التجريب الذي قد يدخل النص الروائي في عبثية القول الفني.ومن هنا جاءت رواياته بين بين.حافظت على نهجه الواقعي وفكره الصريح وفي الوقت ذاته انفتحت على عناصر التجريب بصفته عاملا فنيا لابد منه لتطويع الحكي وتجديد السرود.

   يمكن تحديد بداية السرد التجريبي عند"الطاهر وطار"من روايته" الشمعة والدهاليز"معلنا بجدية عن بداية التجريب الروائي برغم من أنّ بداية التجريب عنده تعود إلى روايتيه "القصر والحوات"و"عرس بغل" الذي اعتمد فيهما "الطاهر وطار"على العجائبي الذي تجسد في تركيب شخصية "الحاج كيان" التي جمعت بين الواقعي والعجائبي.

  من مظاهر التجريب في رواية" قصيد في التذلل" انصهار الذات الكاتبة عن سبيل فعل التبئيرومن خلال سردالحلم بصفته مقطعا سردياعجائبيا يشتغل داخل نسيج السرد الواقعي.والذي يعمد فيه "الطاهر وطار" إلى عملية تركيب حكائية مازجا بين التخييل الذي أضحى سمة دالة على شخصية التجريب.والواقع المألوف.الذي يجلي الخط الدرامي ويحافظ عليه.

بنيات العجائبي في روايتي:"الولي الطاهريعود إلى مقامه الزكي"و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء".

   لتحقيق العجائبي بصفته بنية تجريبية يعمد "الطاهر وطار" إلى تدبر فني شبيه بفنيات الحكي الصوفي البنية التراثية التي تؤسس لولوج عالم ماورائي،أو غيبي فيوظف لغة(ألفاظا) وعبارات تحدث ما يمكن تسميته بالتعمية أوالإغماض في المحكي:كلإغماء أو ذكر الضباب وما شابه ذلك. وكلها تعابير تشير إلى حالة التشظي التي تطرأ على "الولي الطاهر" وكلها تشير إلى بداية مرحلة الإغتراب.الروحي .التي تمثل الحدّ الفاصل ما بين الواقع واللاقع وما بين المكان الواقعي واللامكان.وهي حالات شبيهة برحلة روح الصوفي التي تتشظى عن الجسد الذي تثاقل إلى الأرض. فالروح هي التي تتحول في لحظة شطح صوفي أو إبداعي إلى راو تروي مارأت في رحلتها.وهي التي تملي على الجسد المتخلف عن رحلتها، تملي ما رأت وما رأته هو كله عجائبي وسحري.له واقعه الخاص وحقيقته.وما على القاريء أو المتلقي سوى الإنصات،والإنصات فقط .ينصت بروحه لابعقله. لامجال لاستعمال العقل لقياس صحة مرويات العجائبي ولا يجوز استعمال العقل لقياس صدقية ما تحكيه الروح وما عقلته من أحداث وأخبار.ومن تلك البنيات التعبيرية:

قوله في رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي":

ـ عندما يسقط الولي الطاهر مغميا عليه([5])

ـ استفاق الولي الطاهر،فتح عينيه.(ص:33)

ـ فاستعاد الولي الطاهر يقظته.(ص:53).

ـ أصابتني رصاصتان من مسدس تافه فأردتاني.(ص:53).

ـ عندما انتهى الولي الطاهرمن صيحته وفتح عينيه.(ص:54).

ـ استيقظ الولي الطاهر.(ص:81).

ـ استفاق الولي الطاهر من ذهوله.(ص:119).

  وهناك نوع آخرمن الاغتراب أوالغيبة وهو الحلم.الذي يتحول عند الراوي مادة حكائية عجائبية يسرد أحداثه ومرئياته التي تمثل شكلا من أشكال العجائبي،ومجالا للتجريب السردي الروائي.وقد استغلّ "الطاهر وطار" هذا النوع من المرويات ليقدم أفكاره ونظرته للكثيرمن القضايا الاجتماعية،بل استغلّ محكي الحلم ليخوض في قضايا انثروبولوجية يفسر من خلالها بعض عادات وتقاليد المجتمع الجزائري.أوينتقد بعضها بأسلوب التضخيم أوالسخرية.أويقدمها بحياد بقصد منح القارئ مبادرة الوصول إلى الدلالة.

من مقاطع سرد الحلم ننتقي مقطعين  من رواية "قصيد في التذلل"هما:

"ألقت نظرة أخرى عليه .كان يتخبط تحت اللحاف الوردي.كأنما به حمى.قررت أن لاتوقظه،فلا شك أنه يعاني كابوسا ما"([6])

ـ "نام تلكم الليلة نوما مضطربا.استيقظ منه أكثر من مرة،تداهمه كوابيس متعددة في مظهرها،لكن في جوهرها هي كابوس واحد"([7])

  هذه بعض حالات الاغتراب والتشظي،بعدها يلي دورالروح لتسرد ما رأت في غيابها ذاك.وكل ما تسرده عجائبي،أو سحري،أو له طابع صوفي.وفي هذه الحال يتدخل الراوي لتحديد طابع العجائبي بقوله:"لايدري الولي الطاهر كم استغرقت هذه الغيبة،فقد تكون لحظة،وقد تكون ساعة كما قد تكون قرونا عديدة"([8]).

    إن حال الغيبوبة أوالإغماء أو حتى الحلم أو المنام.يترتب عنها فقدان أو إدراك للزمن الذي يترتب عنه فقدان للمكان.وهذه حال شبيهة بحال المتصوف الذي يسرد مارأى بعد استعاد وعيه،وقد يصرح كما صرح "الولي الطاهر" أنه يمتنع عن ذكر بعض ما رأى لأنه قد نوهي عن الخوض فيه أو لأنه من سرّ ذلك التجلي.يقول الراوي:"عندما يسقط الولي الطاهرمغميا عليه في حضرة لاحدّ لمكانه ولالزمانه ومحاولة معرفة ذلك إفساد للحالة"([9]).

   إن سرد مارأته الروح المتشظية قد يصادفه عجزالراوي عن التعبير عنه بلغة الخطاب العادي،ومن ثم يقع بين التردد بالبوح والإفصاح عن وصف عالم المشاهدة وبين عجزلغته المعتادة التي انغلقت ألفاظها أمام سعة المعنى وابريالية الدلالة.كيف يعبركتابة عن ماهو خارج عن طاقة اللغة وضيق العبارة؟ ومن هنا نراه يعمد إلى التلميح والاستعانة بالصمت من خلال تسجيل البياضات والقفز على الأحيزة المنقّطة(......)تعبيرا منه على حال الأندهاش والذهول.كما  يتجلى ذلك في مواطن سردية كثيرة في رواية"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" في قوله:"مالك بن نويرة...ياكبدي..."([10])

ـ اهتزّوقارالولي الطاهر وهو يهتف،ثم سرح في ماض يومض له...

".......

هيا يامولاي. ها...هيت لك.

ـ مما تخاف يا مولاي ؟

................([11]).

وأحيانا يعمد الراوي إلى أسلوب الإدهاش والرهبة،فيختزل رهبة المقام في عبارة:

ـ يا خافي الألطاف نجنا مما نخاف.

    وقد يكون ذلك تهربا من عجزاللغة أمام رهبة المقام.فما يشاهد بعين الروح لاتستطيع لغة خطاب الإنس أن تحيط به، فيعمد الكاتب إلى التلميح للدلالة دون التصريح بها.تاركا الغة للقاريء النبيه.وحتى تلك اللغة المسجلة التي تعبر عن مقام المشاهدة ليست لغة بريئة بل هي لغة ممتلئة تخفي من المعاني أكثر مما تصرح به.ومن ثم فالكاتب الصوفي ـ وحتى الكاتب الروائي ـ حين يكتب لايكشف أسرار اللغة:"بل يفضح عريه أمام تلك الأسرار ويسجل غيابه بلغة الإدهاش والذهول والإنصات والرؤيا والحلم،وكلما اتسع الإدهاش والرؤيا ضاق الخطاب،وكلما اشتدت نشوة الصوفي تقلص وضوح العبارة وانسحب ليترك أمام القاريء بياضات تفزعه لأنها ممتلئة بأشباح وصور يصعب إدراكها انطلاقا من مواضعات الحس السليم وبداهته"([12]).

   فالقارئ لروايات "الطاهر وطار" الأخيرة:"الشمعة والدهاليز"و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء".سيلاحظ بلا ريب أن هذه السرود الثلاثة تتشكل من نصين متلاحمين:نص أو خطاب يسرد فيه الكاتب أحداثا واقعية بكل مكونات الحدث:شخصية،مكان،حدث،زمن.ونص يسرد فيه واقعا عجائبيا متخيلا أساسه العجائبي والسحري والخارق والغرائبي،والصوفي.وهو سرد لايقرأ بالعقل والحس،ولكن يستقبل كما هو.لأن دوره رفع درجة المحكي من الواقعي المعتاد إلى فوق واقعي.مما يجعل نص التجريب الروائي عند و"طار" مزدوج التبئير:تبئيرواقعي محكوم بصرامة المنطق والبداهة وآخر عجائبي ينفتح على مالا عين رأت ولاأذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.أوفالنقل على قلب قارئ.عالم مفتوح على كل الممكنات، يكون فيه البطل واحدا من عجائب ذلك العالم.بعد أن اكتسب قدرات خارقة،وصارعالما بكل شيء،يرى ويفسرويعلق ويسرد.وقد صارت له لغة فوق اللغة المعتادة.لغة ممتلئة فقد تشيروتلوح بالمعنى ولاتصرح تصريحا.وبدوره يصير الكاتب الروائي منصتا للغة عالم العجائبي والخارق.مثله مثل المتصوف المسكون بنشوة الاكتشاف، المنبهر،المنتشي بعناصر الإدهاش،وفي هذه الحال لايملك غير الإنصات لما تقوله لغة السحري،لأن فعل الكتابة عنده صار فعل إنصات والإنصات فقط.

    ليس الإنصات:"فقط استجابة لنداء اللغة وإمكانية من إمكانية الصمت،بل هوأيضا استجابة لفراغ الذات وغيابها"([13]).فهل كان "الطاهر وطار" في تلك اللحظة التي يسجل فيها ـ بصفته الراوي الفعلي ـ مكونات الهامشي العجائبي فارغ الذات بل كان بلا ذات واعية؟

   احسب أن ظاهرة الفراغ والضياع والنسيان وماشابه ذلك من الألفاظ والشفرات الدالة التي تتوزع بشكل إيقاعي على مستوى جسد النصوص أو السرود الثلاثة تشير صراحة إلى حال الصمت،كما تشكل المفصل الرئيسي واللحمة السردية ما بين الواقعي واللاواقع أي العجائبي.وهي حيلة فنية وتدبر كتابي يعمد الكاتب "الطاهر وطار"إلي الاشتغال عليه تمهيدا لدخول عالم العجائبي.أو عالم الإنصات كما أشرنا من قبل.فكل ما كان:"أنصت كان أفرغ،وكل ماكان أفرغ كان أنصت"([14]).

   إن فعل الإنصات كما أشرنا هوأساس حركة الإنتقال من سرد واقعي إلى سرد عجائبي.والانتقال من بنية لسانية عادية إلى بينة لغوية عجائبية جنحت بالدلالة خارج إطار البنية اللسانية للنص الروائي وبالتالي لاتقرأ إلاّ انزياحيا، لأنها لغة ممتلئة.إنها لغة الخطاب الصوفي الذي يستوجب من قارئه أو متلقيه أدب الإنصات لما تقوله تلك اللغة الممتلئة.فالإنصات :"هو أساس انخراط في كينونة اللغة الممتلئة .إنه الحركة الوحيدة الممكنة التي تنقل الصوفي ـ وهنا "الطاهر وطار" الروائي ـ وهو يعيش نشوة الغياب، وهويكتب هذه المتعة في اتجاه الهوامش المختلفة التي تفتحها تلك اللغة"([15]).

   وقد عمد الطاهر وطار إلى استعمال هذه التقنية في الأنتقال ليس من سرد واقعي وآخر عجائبي بل استعملها أيضا في الانتقال من رواية إلى أخرى.حيث يقول في  نهاية رواية" الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي":

"تأوهت متألمة.ظلت لحظات تتأوه ثم راحت كلما أشهقت متأوهة تختفي في ضباب رمادي،إلى أن غابت نهائيا"([16]).

وفي بداية رواية"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء" سرده:

"أعاد الولي الطاهرتأمل الشمس التي كان اعتراها الكسوف،فبهره الوهج وتساءل عمّ يبحث.نسيّ أنه كان هناك قبل لحظات،كسوف كلي فجائي،لم يتنبأ به العرافون ولا المنجمون ولا العلماء"([17]).

   ففي هذه المقاطع السردية نلفي شفرات العبوروالاغتراب وولوج عالم الماوراء،ليكن هذا الماوراء موتا،أوغيابا،أوإغماء أوأيّ لفظ دال على الخروج من واقع فعلي إلى عالم عجائبي.فهو في الفقرة الأولى :ضباب رمادي، وغياب نهائي( إلى أن غابت نهائيا)

وهوفي الفقرة التالية:(الإنبهار بالوهج،ثم الحيرة والتساؤل،ثم النسيان) وكلها ألفاظ تشير إلى العودة من غياب،وبداية استعادة الوعي وإدراك الواقع الفعلي بعد غياب وتشظ للروح عن الجسد.ومن ثم العودة إلى اللغة السوائية التي هي أصل المحكي.

ثم يتلفظ بالعبارة التي تمثل لازمة المروي أوالعتبة/اللازمة:ياخافي الألطاف نجّنا مما نخاف.

والتي تشيرإلى النقطة الفاصلة/العتبة. مابين محكي عجائبي ومحكي واقعي.مابين لغة سوائية ولغة ممتلئة/صوفية وعجائبية.كما تشير أيضا إلى لحظة الوعي المستعاد والمتحققة في سروده:"تمتم والتفت كأنما يبحث عن شيء ما لربما عن الأتان العضباء،التي طاف بها الكون عبرالقرون بحثا عنها،والتي عرف بعد فوات الفوت أنها كانت كما قالت بالحرف الواحد: بلاّرة."([18]).

  إن قراءة كشفية متبصّرة تمكن من إدراك تقنية الحكي التي اعتمدها "الطاهر وطار" وهي تشكيل حكي دائري حدّده سرديا بثنائية تكاد تكون ثابتة، وهي الغياب والحضوراللذان يشكلان دوائر كبيرة وأحيانا دوائر صغرى.يغيب فاقدا وعيه فيرى ما يرى وينقل ساردا مكونات عالم عجائبي وسحري،ثم يستعيد وعيه فيحكي مكونات واقعه المتصل به بوعي وإدراك كاملين.ففي بداية رواية"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" يقول في بداية مسروده:

"آه.أخيرا.

تنفس الولي الطاهر من أعماقه وقال بصوت منخفض لايدري ما إن كان يخاطب نفسه،أم يخاطب الأتان العضباء:

ـ بحول الله وحمده ها نحن من جديد،نرجع إلى أرضنا.

شدّد على كلمة أرضنا،كأنما يريد أن يؤكّد أنه لم يكن يدري بالضبط أين كانت غيبته كل هذا الوقت."([19]).

فهذه غيبة أخرى يشير الراوي إليها.حامدا الله عن عودته.إنها غيبة خارج الكتابة أصلا.فهو لم يباشر بعد في تحبير منجزه السردي.وهذا إيهام فني أعمل فيه الكاتب التّدبر والتّحايل على القارئ بغية تحقيق أعلى درجة من غواية المحكي.وفتح شهوة القراءة.وهذا عنصر له قيمته الفنية الجمالية في التجريب الروائي.

  لاشك أن في مفهوم العجائبي كل غياب رؤيا وكل حضورأوأوبة مشاهدة.أي أن مشاهدات وتجدليات لحظة الغياب هي مشاهدة بعين البصيرة،أو عين الروح.يقابله في الواقع مشاهدة العين المجردة.ويمكن إدراج هذه الثنائية بـمفهومي:الداخل والخارج.والملاحظ أيضا عند "الطاهر وطار" أنه يعمد في الكثير من كتاباته الروائية إلى العجيب والعجائبي لخلق نوع من التوازن .فعل سبيل المثال:سرد محكي الشعوذة لمقام "سيدي فلوس"حيث يربض شيخ يقال أنه أخذ على اليهود سرّ النّفث في العقد،وفكّ الطلاسم واستحضار الجن والعفاريت،ويضرب خطّ الرمل يقيم وحده في الزاوية حيث يأتيه أكله وشرابه من عند الله"([20])

وهذه التأثيثات كلها تنتمي لفضاءات "يوتوبية ـ utopique."لأنها"تخلق عالما موازيا للعالم الواقعي،وترى في تجربة الغياب واللامتناهي مرادها الذي تجد فيه سعادتها."([21])

   يشتغل فضاء اليوتوبية عند"الطاهروطار"لإحضارالموروث الشعبي والثقافي الجزائري.كما يعاضد شعرية المحكي بما يمتلكه من قيم فكرية وجمالية،وربما شعرية الطريف والعجيب والمسكوت عنه إجتماعيا.ومع ذلك تظل هذه المكونات السردية الثلاثة تشكل دوائرة ذاتية مغلقة تتراسل في ما بينها فكريا وسرديا. لكنها تظل محكيات مركزية إذا ما نظرنا إليها ضمن نسيج الخطاب الروائي عند "الطاهر وطار".فكل منها يقدم ثقافته وشعريته الخاصة.ضمن شعرية النسيج الكلية.التي يتحقق من خلالها الاتساق النفسي والجمالي لدى المتلقي وهو انعكاس لاتساق المكونات السردية التي تأسست عليها البنية اللسانية بكل تضافراتها وظهوراتها.هذا الاتساق الذي يحقق هدف كل منجز سردي جمالي ،يحقق حال التماهي بالانسجام ،أو حال التماهي بالتقابل.وفي الحالتين تحقق للإيهامي الذي يعد جماليا ملح الأدبية .وروح المسرود المتميزجماليا وشعريا.

يرى"لويس فاكس":"أن اليوتوبي والعجائبي يجدان اندفاعهما في الخيال (imagination).

لكنهما يظلان مختلفين "فاليوتوبي نجده في رواية التجربة الذهنية،ويكون روائيا ماكان مغامرا للإنسان الذي يتيه في عالم مختلف عن عالمنا مثل ذاك العالم الذي نقلق فيه على سلامتنا الصحية والعقلية ..إن هاوي "أليوتوبية" في تصوره يشبه المسافر الفيلسوف وهو يملك بين يديه مادة للتفكير ويستسلم للأحكام المسبقة التي شكلها عن الوجود. إنه يتعلم كيف يكتشف نسغ الأشياء الذي يختفي خلف الظواهر.وهو في الأخير يتلاعب بالفكر لكن بخوف وهو لا ينظر من الخارج، بل يدع نفسه يسحر ويسلب"([22]).

  لكن هل القاريء لهذه التقنيات السردية والتي أساسها تشظي الذات الراوية وسردها للامعقول وفوق طبيعي.هل له القدرة والاستعداد الثقافي والمعرفي الذي يسهل عليه الوصول إلى دلالاتها؟يقول تودوروف:" إن العجائبي يتحدد أيضا بصفته إدراكا خاصا للأحداث الغريبة.إدراك يعزى إلى القارئ المتماهي مع الشخصيات.لكن البحث عن طبيعة هذا الإدراك يجب أن يتجاوز الطريقة إلى الدلالة.أي على الأحداث الغريبة ذاتها."([23])

الامتساخ بصفته تجريبا سرديا.

    يشكل منجزالامتساخ والتحول في سرد العجائبي إلى جانب السرد الواقعي في بعض روايات "الطاهر وطار"ملمحا تجريبيا يسعى من خلاله إلى استثمار طاقة العجائبي لتمرير تيمات تاريخية وفكرية ومن ثم أحداث بنية شعرية جمالية،يضاف إلى ذلك ماتحدثه بينة العجائبي المسرود الروائي من خلخلة وخروج عن النمطي والمنوال أو النموذج الذي تعرف به الرواية العربية والجزائرية.هذا من جهة وما تحدثه بينية العجائبي من تردد وحيرة لدى القاريء وهو يتلقى هذه البنية المغايرة،والتي يقف أمامها عاجزا عن تفسير عقلاني لها،وفي الوقت ذاته منتشيا جماليا بوقع شعريتها في نفسه.وهذه هي خاصية العجائبي في الكتابة الروائية على أنها:"ذلك التعدي السافرالذي تحدثه كائنات غريبة غير محددة المعالم وغير مدركة بشكل كاف. مما يجعل العالم المعقول يتهدده الشك.وذلك الخلل ينتهي بالمرء إلى التردد ما بين التفسير العقلاني واللاعقلاني لهذه الظهورات"([24]) .

  ولقد نبه "تزفيطان تودوروف"إلى أن عامل الإدهاش في العجائبي لايقتصر على القارئ فحسب بل هو خاصية أساسية من خصائص بطل القصص العجائبي فقد أورد في كتابه"مدخل إلى الأدب العجائبي" مقولة لأحدى الألمان تدعى"أولغاريمان" تقول فيها:"إن البطل في الحكاية العجائبية يشعر بشكل متواصل وبجلاء بالتناقص بين عالمين ،عالم الواقعي،وعالم العجائبي وهو نفسه مندهش أمام الأشياء الخارقة التي تحيط به"([25])

  ويضيف نقلا عن "بيارجورج كاستكس" في كتابه الحكاية العجائبية في فرنسا:" ينماز العجائبي..بتدخل عنيف للسرّ الخفي في إطار الحياة الواقعية."ويضيف مستشهدا بقول "لروجيه كايوا" في كتابه"في قلب العجائبي":"إنما العجائبي كلّه قطيعة أو تصدع للنظام المعترف به واقتحام من اللامقبول لصميم الشعرية اليومية التي لاتتبدّل"([26])

 من هنا كان مبدأ التناقض أساس العجائبي به وعليه تنهض البنية المفارقة لعنصري: الواقعي واللاواقعي.وهذه من جهة تؤكد قصدية الأدبي الفانتاستيكي.ترى"إيرين بيسييرirène Bessiére":"أن القصد الأدبي الفانتاستيكي،هو بالطبع قصد تناقضي يضطلع بمزج لاواقعيته،بواقعية ثانية،فيصبح الإيهام فانتاستيكيا بتركيب احتمالين خارجين الأول عقلي تجريبي(القانونالفيزيائي)،والذي يماثل التحفيزالواقعي،والآخرعقلي ميتاتجريبي(الميثولوجيا)والذي ينقل اللاواقع على مستوى فوق طبيعي"([27]).

فما يرويه السارد بصفته الشاهد الموضوعي لإيهامنا بصدقية ظهورات الفانتاستيكي هوالذي يسعى في الآن نفسه إلى تحقيق المفارقة الفاصلة ما بين الواقعي والوهمي أو كما يقول شعيب خليفي:" فالمفارقة تدخل في هذا المجال وتعطي للحدث صبغة مفارقة حيث التمثيلات وهمية تصدمنا بهيئاتها النادرة،وتبدو لنا متناقضة مع مجموع القوانين المسيرة للعالم الخارجي الموضوعي"([28]).

    ومن هذا كانت نفسية الولي الطاهر مسكونة أبدا بالقلق والتوجس وهويقتحم هذه المعالم العجائبية وهويتلقى تلك التجليات والمشاهدات السحرية،محاولا التأقلم معها،والوصول إلى تفسيرعقلاني ومنطقي لكنهها ومدلولاتها.إلاأنه في كل مرة ينساق كالمسحور وراء تلك الصوروالتمظهورات مكتفيا بلحظة المعايشة التلقائية العفوية،قانعا بما تقدمه تلك المشاهد من موضوعات، شأنه شأن النائم الحالم،وقد صرح "الطاهر وطار" في مقدمة روايته"الولي الطاهر يرفع ييده بالدعاء" أن مايسرده الولي الطاهر هومن داخل غيبوبته،وأنه ـ أي الطاهر طار بصفته الكاتب والراوي الحقيقي ـ يشاركه فيما يحكي وأنه يعيش معه أحلام اليقظة:"لم أشأ أن أوقظ الولي الطاهرمن غيبوبته،التي يرى فيها مايرى، فلعلني كمواطن عربي أعيش أحلام يقظة معه."([29]).

    تأتي هذه العتبة لتضيئ طبيعة المحكي عند "الطاهر وطار" وخاصة في ثلاثيته:"الشمعة والدهاليز"و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"و"الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء"وهي أشارة إلى ظاهرة التجريب السردي الذي ينماز عن المنجزالسردي العادي بكونه خطابا مفتوحا على كل الخروقات والتجاوزات الفنية واللغوية وعلى عجائبية الأحداث والشخصيات الخارقة ،المتحولة والممسوخة ـ شخصية بللاّرة مثلا ـ مما يستدعي قراءة خاصة تراعى فيها خصوصية التأويل وتوظيف الرصيد المعرفي والثقافي بما فيه التاريخي.وهو ما يجليه المقطع السردي العجائبي المتمثل في الممسوخات والمتحولات ضمن تيمات تاريخية استعاد من خلال توظيفاتها "الطاهر وطار" أحداثا تاريخية معروفة.جاء في رواية"الولي الطاهر يرفع يديه يالدعاء":"كانت أبواب ونوافذ المقام الزكي مشرعة،فانجذب للنداء الذي كان يرتفع وينخفض في تنغيم جميل.

القاعة الفسيحة مغمورة بالرمل وبتماثيل حجرية لرجال في جناح،ولنساء في جناح ثان،تنتصب على مقعد من خشب،عليه نقوش جميلة ومؤثرة بقماش مطرز بالذهب،تتوسط الجناحين مقصورة،يتربع فيها شخص من طين،لحيته في حجره،أمامه منضدة صخرية ،فوقها أدوات وسجلات تحجّرت يعلوها غبار أصفر كثيف."([30]).

   يظهر المنجز السردي هنا مسخا قد شمل الجماعة التي تحولت إلى ظهورات متحجرة :أشخاص وأشياء،وهو ما يؤشر على أن حال التحول هده سببها لعنة شملت الجميع.وهو أيضا علامة ومجاز من جهة على أنّ الفاعل أو الفواعل قد تجاوز حدود الحظروانتهك المحرم والمقدس ،والمقدس هنا هو الروح التي قتلت بغير ذنب.وهذا بدوره يشير إلى حاضرالأمة وما عرفته من تقاتل أعمى بغيض.وسم في ما بعد بـ"المأساة الوطنية"وكأني بالروائي "الطاهر وطّار"يدعو المتلقي إلى قراءة حاضر الأمة الجزائرية بقراءة ماضي الأمة وهي قراءة مجازية إشاراتية،قراءة لصورة المسخ الممتلئة بالعلامات الدالة ذات الحمولات المعرفية :التاريخية والسياسية .معولا ـ الكاتب ـ على ظاهر الممسوخ بصفته مرآة تعكس حاضر المجتمع الجزائري بكل تقاطباته المتناقضة فيما بينها.محموعة من الأضداد والمفارقات.وكم هائل من المتنافرات المتراسلة في ما بينها،فالحاضر المثقل بالموت والرفض تعكسه صورة الممسوخ المتحجرالمسخوط.مع أن "الطاهر وطار" يحشد مجموعة من الظهورات.الجزئية التي تشكل الصورة الكلية للمسخوط.منها:

تماثيل حجرية/مقاعد من خشب/شخص من طين لحيته في حجره/أدوات وسجلات تحجّرت/ يعلوها غبار أصفر.

  يأتي اشتغال هذه العلامات ليؤسس مايسميه "تودوروف" التقابل ما بين الطبيعي وفوق طبيعي.وهذه خاصية الأدب الفانتاستيكي.الذي كما يقول"جان ميشال ـ jean miechel:"يسائل الموضوع أكثر مما يعطي أجوبة مهدئة"([31]).

   فالتقابل هو الذي يجسد سرديا قطبي ثنائية التفاعل مابين الطبيعي وفوق طبيعي واللذان يتراسلان بشكل تعارضي وضدي ليتولد عن تراسلهما تفسيريخفف من التوترالذي يشعر به القارئ نتيجة الغموض والتعمية الناتجة عن طبيعة العجائبي الذي يأتي تراسليا من خارج دائرة المعقول والجاهز،ويأتي التفسيرالناتج عن تفسير العجائبي بالرصيد المعرفي والدلالي الذي يمتلكه القارئ عن ثقافة الطبيعي والمعلوم سابقا déjà.ويتجلى التوتر نتيجة للأسئلة الحادة التي ينتجها فوق طبيعي مثلا:ماالذي يريد أن يقوله "الطاهروطار" من سرده لصورة المسخ؟ ماذا تعني سيميائيا تلك الشفرات التي أثث بها "الطاهر وطار" الصورة المسخوطة؟ هل هي لعنة الفتنة المستيقظة؟.هل هي دعوة صريحة لقراءة مغايرة للواقع المؤلم الذي تمرّ به الجزائر من صراع وتقاتل عبثي؟قراءة فتنة الراهن عن سبيل فتنة الماضي والتي تجلت سرديا في مقطع المسخ ضمن منجزه الروائي:الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء.مامعناه فكّ غامض فوق طبيعي من خلال قراءة الطبيعي الراهن والمعيش الجزائري.

    يتولد سرديا في الحكي الفانتاستيكي عن ثنائية فوق طبيعي والطبيعي قطبان يشتغلان ديناميالتحقيق الفانتاستيكي وهما:

قطب التوتر([32]).

   يأتي التوتر من كون صورة المسخ تققتحم بعجائبيتها وغموضها عالم المألوف والنمطي لدى القارئ.ما يجعلالقارئ مترددا في الوصول إلى المعنى المخبوء وراء ستارالمسخ وعلاماته (ألفاظه) الهلامية.يترتب عن ذلك غرابة تشوب فعل التلقي وتدخل القارئ في دائرة الغرابة المقلقة.وحال الإدهاش، هذه نفسها يعيشها البطل كماهو مثبت في قوله: "ومضت في ذهنه صور باهتة من ماض لايدري ما إذا كان بعيدا أو قريبا،وهو يدقق النظر في لحى التماثيل التي تبلغ الأرض،وكما لو أنها لم تتوقف عن النمو،ماجعله ينتبه إلى أنّ لحيته هو بالذات تبلغ ركبتيه ولايدري متى بلغت هذا الطول"([33])

   يرى شعيب حليفي أن:"مهمة هذا القطب هي زحزحة النواة الصلبة للطبيعي،وتصيّد الشك،ثم بذره كي بنفجر بقوة.حتى يكون هناك توتر واحتداد يمنح المؤلف الفانتاستيكي حرية تصعيد هذا التوتر،قصد الوصول إلى حالة التردد أمام فجائية اللامألوف،المتحرك للعالم المألوف"الثابت"ومحاولة تدمير وتشييد نوع من الفوضى العنيفة التي تمزق سكونيته"([34]).

القطب المنبسط:

   يأتي القطب المنبسط ليبطل التوتروهو يشتغل لصالح القارئ.وذلك بتقديم تفاسير موضوعية مستعينابالمعنى الثابت من مخزون الثقافي والمعرفي لدى القارئ.وبدونه كما يقول شعيب حليفي" ستظل الرواية عبارة عن توتر غموض وغرابة في حاجة إلى تعليل"([35])

   أحسب أن القطب المنبسط في منجز "الطاهر وطار" يستمد مرجعيته المعرفية ـ التاريخية والثقافية ـ والتي تختزن المعنى الثابت الذي يعول عليه القارئ في تفسير ما غمض وأغرب عليه في المتن الروائي ـ سرود العجائبي ـ ،يستمد من النص المحيطperitexte .ومن أحد فروعه بالضبط وهوالنص المحيط التأليفيperitexte auctorial.والذي يضم تحته:اسم الكاتب،العنوان،...الاستهلال،التصدير،التمهيد..([36])

ففي رواية: "الولي الطاهر" يرفع يديه بالدعاء.نلفي نصوصا محيطة بالمتن الروائي تقدم عناصرجاهزة يمكن للقارئ الاستعانة بهالفهم صورة الممسوخ أو العجائبي. وهي نصوص تاريخية مثبتة في الهامش تشرح وتفضح ماغمض على مستوى المتن وكذلك الاستهلال الذي تصدر المتن والذي يشرح فيه الكاتب "الطاهر وطار" ملابسات الموضوع.وقد عنونه بـ: تأشيرة العبور.والذي يمثل عتبة تضيئ المتن وتشرحه شرحا صريحا.وأكد "الطاهر وطار" ومن خلال حشده للتلك المعتبات ونصوص الحواشي على أن الغرض منهاهو رفع الغموض وإزالة التوترالذي أحدثته مقاطع العجائبي على مستوى جسد النص المسرود.يقول في استهلال الرواية:"والولي سواء أكان سيدي بولزمان أم الولي الطاهر،كماعبرت عنه حسبمايبدو لي،هوالعقل الباطن للإنسان المسلم المعاصر،في تجلياته العديدة،التي تتمثل في الحركات الإسلامية بشكليها الفردي أو الجماعي، في الحركية أو السكونية.كماهو الشأن في ردود الأفعال التشنجية أو الرافضة"([37]).

   يتعاضد هذا النص التوجيهي بصفته عتبة تضيئ ممرات المتن،وتنير عمقه.يتعاضد مع نصوص صغيرة مقتضبة هامشية تتميز بدقة المعنى وتركيزه منها: مجاعة بن مرارة شيخ قبيلة بني حنفية،أسير خالد بن الوليد./ مالك بن نويرة:شاعر صحابي...اتهمه خالد بن الوليد بالردة وقتله.وطلب عمر بن الخطاب رضيّ الله عنه بالقصاص من خالد./سجاح: ادعت النبوة.../مسيلمة الكذاب ادعى النبوة في اليمامة./أم متمم:زوجة مالك بن نويرة تزوجها خالد بن الوليد وحرب الردة قائمة..

   فالنصوص المحيطة بالمتن تأتي لتبرهن على صلابة عالم الحقيقة الذي تحاول عناصر الفانتاستيكي بلامألوفيتها أن تخترقه،وتهز فيه نواة يقينيته مخلخلة،مشككة في صدقيته ومألوفيته.من هنا كان حضور الهامشي قصديا لتوليد عنصر التبسيط الذي من دونه ستظل الرواية طلسما،ينتج أسئلة القلق،ورعب التردد.كما يكشف الواقعي وظيفيا أنه هو الضامن القاعدي والأساسي الذي يلجم المتخيل ويحدّ من جموحه.وبالتالي "يمكن بالمقابل إنجاز عمل مفصول عما هو واقعي،كما لايمكن للكتابة أن تكون إبداعية،وتحقق درجة من الإبداعية إلاّ بمدى تورطهافي التخييل والوصف"([38]).

   يترتب أيضاعن علاقة المفارقة بين القطبين: الطبيعي وفوق الطبيعي.سؤال التردد:هل الواقعي أو الطبيعي هو الحقيقة؟أم للمتخيل حقيقته أيضا فقط عصية على العقل.ومن هنا يحق للقارئ مساءلة الكاتب وهوتطاول مشروع مادامت ناصية النص قد آلت إليه بصفته المؤول الأخير للنص.وسؤاله البريئ هو:ماذا أراد "الطاهر وطار" أن يقول.حين استعان بالعجائبي هروبا من الطبيعي والواقعي الجزائري المعلم بالدم،هل كان يفسر فتنة الرّاهن بفتنة التاريخ؟ قد تكون الإجابة في القول التالي:"فالكتابة الروائية هي خلق واقع تخييلي..موصوف بمفردات غير متلفظ بها،ليس لها وجود إلاّ في الكتابة"([39]).

 في نهاية نص النصوص الثلاثة هذا أي "الولي الطاهريرفع يديه بالدعاء"والشمعة والدهاليز"و"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" يعمد "الطاهروطار"إلى النزول بالمتخيل إلى أرض الواقعي والطبيعي.حيث يختم منجزه السردي بمشهد درامي واقعي :"باغتت امرأة ملثمة الجميع.وثبت إلى الطاولة التي يقف عليها الرجل.انتزعت المسدس الذي كان يتجه إلى القلب،من يده.صوبته إلى رأسه،ضغطت.انطلقت الرصاصة.التفتت إلى الجماهير المحتشدة.زعقت:

قليسترح الجميع.الناس لاينتحرون بالأوامر.

قال القائلون:

-       ربما كانت إحدى بناته

 ربما كانت زوجته،أو إحدى عشيقاته.

ربما إحدى من رمل من العراق،أومن إيران أو من الكويت."([40]).

 انطلاقا من هذه التحديدات وترهينات الواقعي والطبيعي يمكن القول إن الرواية العربية الحديثة الفانتاستيكية بما تتضمنه من أحداث عجائبية لم تعد ترعب القارئ ولم تعد تيماتها تشكل لغزا طلسما،فقد تحول الرعب من رعب الحدث إلى"رعب المعنى"([41]).

ذلك لأنّ "الفانتاستيك يحير ويرعب أكثرمما يطمئن"([42]).ومن هنا كان انشغال القارئ هو المعنى الذي يقف حياله مترددا،إلاّ أن حال التردد سرعان مايزول حين يستعمل رصيده المعرفي والفكري والسياسي،ذلك لأن القارئ المعاصر بات مسلحا برصيد ثقافي يقيه رعب العجائبي ويسعفه في فهم تعمية العجائبي.كما تسعفه تلك النصوص المحيطة بالمتن،وسرد التاريخي بمكوناته اليقينية.كما مرّ معنا حين يسرد "الطاهر وطار":اسماء الاعلام والأمكنة والأحداث المتداولة إعلاميا وماشابه ذلك من تيمات لصيقة بأرض الواقعي والطبيعي.وهذه واحدة من خصوصيات الرواية الفانتاستيكية العربية الحديثة.

 

                                                                  أ.د.عميش عبد القادر

 

 



[1]ـ عرجون الباتول:نحو رواية عجائبية"الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"للطاهر وطار.مجلة:الثقافة.ع:21أكتوبر.2009.ص:107

[2]ـ صلاح فضل: لذة التجريب الروائي.أطلس للنشر والانتاج الإعلامي،ش،م،م.ص:3

[3]ـ تزفيطان تودوروف:مدخل إلى الأدب العجائبي.تر:الصديق بوعلام.مراجعة:محمد برادة.القاهرة دار شرقيات.ط1. 1994. ص:6

[4] ـ *ـ هذه العناصر التجريبية عمومية وليست مقتصرة على روايات الطاهر وطار.وقد جسدت بشكل أكثر حضورا وتنوعا في رواية جمال الغيطاني: كتاب التجليات.وفي روايتنا الأحيرة:بياض اليقين.منشورات دار الغرب.الجزائر.      .

[5]ـ الطاهر وطار: الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي.موفم للنشر والتوزيع.الجزائر.2004.ص:15

[6]ـ رواية: قصيد في التذلل. ص: 42

[7]ـ رواية .قصيد في التذلل.ص: 85

[8]ـ رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي. ص:15

[9]ـ الرواية.المرجع نفسه.ص:15

[10]ـ الطاهر وطار: الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء.ص:10

[11]ـ المرجع السابق ص:12

[12]ـ عبد الحق منصف: أبعاد التجربة الصوفية.الحب ـ الإنصات ـالحكاية.إفريقيا للنشرـ المغرب.2006. ص:231

[13]ـ ـ عبد الحق منصف: أبعاد التجربة الصوفية..ص: 230

[14]ـ النفري. المواقف والمخاطبات.حققها ونشرها آرثر آربري.سنة:1934. (طبعة دار الكتب المصرية).إشراف عبد القاهر محمود.طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب.1985.القاهر’ ص:230

[15]ـ عبد الحق منصف. أبعاد التجربة الصوفية.ص: 230

[16]ـ الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي. ص:132

[17]ـ الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء.ص: 9

[18]ـ المرجع نفسه: ص:9

[19]ـ رواية: الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي: ص:13

[20]ـ رواية :قصيد في التذلل..الفضاء الحر.الجزائر.2010. ص: 106

[21]ـ  حسن علام.العجائبي  في الأدب .من منظور شعرية السرد. منشورات اختلاف/الدار العربية للعلوم ناشرون.ط1/ 2010.ص: 183

[22]ـ c.f. louis vax. L’art et la littèrature fantastique.p.16

[23]ـ تزفيطان تودوروف. مدخل إلى الأدب العجائبي.ترجمة: الصديق بوعلام.دار الكلام.الرباط ـ المغرب.ط1/ 1993. ص:123

[24]ـ حسن علام.. العجائبي  في الأدب .من منظور شعرية السرد.ص:66

[25]ـ تودوروف. مدخل إلى الأدب العجائبي.ص:49

[26]ـ المرجع نفسه: ص:50

[27]ـ iréne Bessière :le récit fantastique.Paris.ed larousse.1974.P .32

[28] Hubert mathey.Essai sur le merveuilleux dans la litterature français cite in jaques finne 1980p.94ـ عن شعيب حليفي:

[29]ـ رواية "الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء. المقدمة:ص: 8

[30]ـ رواية. الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء. ص: 10

[31]ـ jeanmieche.l’imaginaire de l’enfant ,(idem) ,p :100

[32]ـjaques finne :la litterature fantastique :essai sur l’organisation surnaturelle .Bruxelles universite de Bruxelles 1980 .p :26

[33]ـ رواية :الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء. ص:11

[34]ـ شعيب حليفي. شعرية الرواية الفانتاستيكية. المجلس الأعلى للثقافة. 1997. ص: 35

[35]ـ  شعيب حليفي. شعرية الرواية الفانتاستيكية. ص: 35

[36]ـ  عبد الحق بلعابد: عتبات (جيرار جينيت، من النص إلى المناص).تقديم :سعيد يقطين.منشورات الاختلاف.ط1. 1429هـ /2008.ص:49

[37]ـ رواية: الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء. ص: 7

[38]ـ شعيب حليفي. شعرية الرواية الفانتاستيكية. ص:45

[39]ـ شعيب حليفي. شعرية الرواية الفانتاستيكية.ص:45

[40]ـ رواية : الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء. ص: 114

[41]ـ شعيب حليفي: شعرية الرواية الفانتاستيكية. ص:41

[42]ـ jean Raynaud .fantastique et science fiction in poetiques lyon 1983.p :93