شعرية تلقي الصورة الرقمية في قصة الطفل

                      شعرية تلقي الصورة الرقمية في قصة  الطفل

                              "سندبال، سادريللا " أنموذجا

                                                    أ.د,عميش عبد القادر

تعتبر ثقافة الصورة من أهم الوسائط المعرفية والتربوية التي تنضاف إلى كتاب أدب الطفل،وذلك راجع إلى خصيصة الصورة أو الرسم وما تحقق في هذا المجال من تطور هائل أحدثته التقنية الرقمية على مستوى طبيعة الصورة المحسوبة"الحاسوبية" من جودة اللون وتنوعها وابتكارألوان جديدة لم تكن معروفة،ومن نقاء الصورة ودقة إخراجها والتلاعب بها أو تحريكها،مما يبعث الحياة فيها،ويقربها من خصائص الواقع،ويكسبها لبوس الطرافة والادهاش،والمتعة.وباختصار نقول أن تضافر العناصر التقنية والتكنولوجية الرقمية والانترنيت وتقنياته ذات التجدد السريع وما يطرأ عليه من ابتكارات مذهلة.تعد عناصر متضافرة ساعدت بشكل كبير في تأسيس ثقافة الطفل الجديدة التي أضيفت إلى كتاب أدب الطفل،الذي لايزال يعاني من تخلف خطير سواء على مستوى النصوص الأدبية التي تؤلف للطفل،من قصص وأشعار،ومسرحيات.وأيضا ما يلاحظ على الرسوم والصور من رداءة وسوء التصميم.وقد يجتمع ضعف النص القصصي برداءة الصورة المرافقة له فيكون ذلك مصدر نفور وازورار للطفل، فهو في هذه الحال ومع هذه النماذج الثقافية لايجد متعة ولامعرفة ولاتربية سواء على مستوى النص اللغوي أم على مستوى الصورة.وهذا عكس ما نراه من تطور مذهل في ما يكتب للطفل في الدول الغربية التي يعدّ أدب الطفل وثقافته عندها صناعة قائمة بحدّ ذاتها.

وبهذا فثقافة الأطفال:"هي مجموعة العلوم والفنون والآداب والمهارات والقيم التي يستطيع الطفل استيعابها وتمثيلها في كل المراحل العمرية،ويتمكن بواسطتها من توجيه سلوكه داخل المجتمع توجيها سليما،ويتفق اغلبية الباحثين في هذا المجال..وهناك سلوكات ومعتقدات وأدوار ينبغي تعلمها والتكيف معها بما يعطي الحياة نمطا محددا"([1])

    لقد أحدثت الثورة الرقمية انقلابا عميقا في ثقافة الطفل وخاصة على مستوى النص المرئي الذي اختفى معه النص اللغوي المكتوب الذي يستوجب القارئ الطفل لكي يتلقى المحمول المعرفي اللغوي،وعوض طريقة التلقي التقليدية بما هو أسهل وأسرع،ضمن نموذج عالمي وبطرق رقمية مفتوحة أمام جميع الأطفال ودون اعتبار للغة المحلية أو خصائص التربية الخاصة بكل مجتمع،وبذلك تمت عولمة المعرفة وعولمة النص الأدبي الموجه للأطفال.وصارت الصورة الفائقة الإخراج هي الوسيلة الرئيسة في نقل المعلومة ونلقين الأطفال على اختلافات مشاربهم العرقية واللغوية ،وقد سهلت عملية الترجمة إلى اللغة العربية من المهمة التربوية والتعليمية لتلك النصوص المصورة.ونظرا لجمالية الصورة وجاذبية ألوانها وأساليب الإخراج المدعم بأحدث التقنيات الحديثة صارالنص المصور فتنة الطفل،وفضاءه الساحر،مما سهل نقل المعلومة الفورية ودون عناء أوغموض.وهذا ما يفتح بابا للريبة والشك في مصداقية وصلاح بعض هذه النصوص،وربما مدى خطورتها على تفكير الطفل العربي،وخاصة إذا تمت عملية التلقي بعيدا عن عين المراقب المربي أوأهل الطفل.

    مع ثورة التكنولوجيا الرقمية وحوسبة الخطاب الأدبي الموجه للطفل،كان لزاما التوفيق مابين الخطاب اللغوي الذي يعدّ الأصل ،السابق عن الصورة وبين لغة  خطاب الرسوم المتحركة  التي صارت مسموعة،بعد أن اختفت اللغة في شكلها المكتوب،وبين الصورة بصفتها نصا أو فكرة مجسدة.وقد صارت الآن تمتلك الحركة والنطق.ومخاطبة الطفل مباشرة ودون وسيط،وبذلك تحقق للطفل المتلقي حلم لطالما راوده وهو أن يرى تلك الخيالات من عوالم وكائنا أن يراها حقيقة في الواقع ـ الواقع المتخيل عند الطفل ـ تتكلم وتمرح وأن يشاركها في أفعالها.في أفراحها وأقراحها.بعد أن عجز عن الانتقال إلى عالمها الوهمي.

وهاهي التكنولوجيا الرقمية قد حققت له ذلك الحلم المستحيل.فكيف لاتسحره بأفكارها وما تخاطبه به من معلومات وثقافات؟.وقد صارت أمامه وجها لوجه،بل صارت جزءا من حياته اليومية.

    يشتغل الخطاب القصصي الرقمي في أدب الطفل على إبرازجمالية الثقافة الرقمية الجديدة التي أزاحة بشكل واضح الخطاب القصصي التقليدي الورقي،وعلى إثارة:"خيال الطفل وتحريكه،فالتصوير الفني وفق آلية إلكترونية حديثة ليس عملية تقنية فقط،بل ترتبط وبشكل كبير بالجانب النفسي للطفل،لأنها تقدم مايريده ويحبه ويرغب فيه،دون إرغامه على قبول مايكره،أومايستحسنه الكبار من أفكار ويجدون فيها المبادئ الرفيعة التي يطمحون إلى ترسيخها في نفسيته'([2]).

   ومن هنا تتجلى أهمية هذا النوع الرقمي من ثقافة الأطفال،والتي ستسهم بلا شك في تغيير ذوق الأطفال،بل تغيير نمط تفكيرهم وحياتهم،ونظرتهم لمفهوم الحياة حاضرا ومستقبلا.وما يتميز به ذلك التغيروالتطور من سرعة هائلة،وتراكم معرفي وثقافي ،يستوجب الترشيد والانتقاء حتى لايزاحم المناهج التربوية الرسمية.ومن ثمة قد يشكك الطفل في الكثير من المبادئ والقيم التي يتلقاها في المدرسة.وهذا إذا أدركنا الفارق الهائل الماثل بين المعلومة الرسمية المدرسية،والمعلومة الرقمية المتطورة التي تمتلكها الثقافة  الرقمية.

وفي هذا يقول:فرانسيس فيدال ـ   francis vidal"إنّ كتاب الأطفال يمكن أن يغيروا ذوق العالم بل يمكن أن يغيروا العالمَ نفسَه"([3]).

   ومن هنا يكمن الدور الخطيرالذي يقوم به كاتب أدب الأطفال،وتتضح جسامة مسؤوليته تجاه المجتمع الصغير (عالم الطفولة).والذي يتلقف بمرح وبراءة كل ما يفرحه أو يجيب عن اسئلته الغامضة المحيرة أياحا.فالطفل لايرى من الحياة غير الذي يشغله ويلفت انتباهه العفوي.يقول جان جاك روسو:"دعوا الطفولة تنضج في الأطفال.احترموا الطفولة ولاتتسرعوا في الحكم عليها خيرا أم شرٍّا.إنّ الإيقاع البطيئ لزمن النمو ليس شرٍّا نحتمله،بل وظيفة ضرورية للنمو.إننا نرعى النبتة بالحراثة،ونبني الإنسان بالتربية"([4]).

    لكن ماهو نوع التربية التي يمكن للصورة الرقمية أن تقدمها للطفل؟نحسب أنّ نوع التربية أو المعلومة التي يمكنها أن تعود على الطفل بالفائدة المعرفية هي تلك المتعلقة بالقيم الإنسانية العالمية والتي لاتتعارض مع أية مبادئ أخلاقية أوتربوية في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية.ومنها نشر الخير،ونبذ الشرِّ،وحب الطبيعة،والرأفة بالحيوان..وغيرها.وهي في مجملها قيم إنسانية بها تستقيم الحياة ويعم السلام.وهي القيم والمبادئ التي تتضمنها معظم الأشرطة المصورة،وخاصة قصص الأدب الياباني سواء منها الخطابات الرقمية أو المكتوبة فهي مواضيع تدعو في عمومها إلى أنبل القيم الإنسانية.كما في رسوم:هايدي/وسالي/

وسندريلا/ومغامرات السندباد/...وغيرها من القصص التي تتضمن الموروث الإنساني المشترك.

لكن إذا كان الموروث الإنساني "بحاجة إلى رسوم وقراءة إلكترونية  تدعم مبدأه الأساسي،فعلى القدر نفسه يجب اعتبار حوسبة الخطاب الأدبي حجر الزاوية في عملية الإخراج الفني للصورة المرئية والتي تشكل الحيّز من التعبير عن الموضوع بل وتتجاوزه في الأغلب والأعمّ."([5]).

     تكمن شعرية الصورة الرقمية في أنها تشرك الطفل المتلقي في معايشة الأحداث المتلاحقة ومن ثمة بناء تصور استباقى استشرافي لما ستؤول إليه الأحداث.ولمّا كان شريط الصوريشبه المشهد المسرحي وكان جهاز الحاسوب أو التلفاز يشبه خشبة المسرح.كان الطفل من ثمة شبيها في وضع التلقي بالمشاهد المتفرج في قاعة العرض.والذي يعد جزءا أساسيا من العمل المسرحي.وكان كل ما يصدر عن حركة الصور من حوار وحركة ومرح يشعر الطفل بأنه مخصوص به،وطرف أساسي فيه،من خلال مشاركته الوجدانية وحضوره الخيالي بين تلك الشخصيات،التي استولت على عقله بسحر جمال ألوانها ونقاء مظاهرها وفضاء التكنولوجية الرقمية السابحة فيه.وقد تعاضدت عناصر خطابية ثلاثة هي:الصورة والصوت والحركة.يضاف إلى ذلك بهرجة الألوان الرقمية التي يمكن التحكم طبيعتها بالزيادة والنقصان.كل ذلك والطفل بصفته قارئا متجولا بمصطلح الانترنيت قد صار طرفا فاعلا في تسيير الشريط والتحكم فيه.

    لقد بعثت التكنولوجيا الرقمية الحياة في رسومات الأطفال،وحركتها فحركت بذلك عقل الطفل وحررت خياله من هيئة صورة الكتاب الجامدة الباهتة التي لاروح فيها ولانبض للحياة يرجى منها.لقد جسدت الرقمية بشكل قوي مقولة اليونانيين القدماء انطلاقا من أفلاطون ثم الذين تلوه:أنّ الشعراء هم أعظم الرسامين.والشعراء هنا ماهم سوى الكتاب المهرة الذين إذا وصفوا باللغة رسموا واجلوا ماهية الموصوف حتى تكاد العين أن تراه،بعد أن رأته عين العقل تخييلا وتدبرا.وإمعانا.فمنذ أن وصف الكاتب الإغريقي الساخر"لوكيان(120ـ 180م) شاعر الإغريق الأكبر "هوميروس":"بأنه رسام مجيد،انطبقت صفة الرسامين،أو المصورين العظام على عدد كبيرمن الشعراء بدءا من ثيوكريتش،وفيرجيل،وثوراكواتو..

وشكسبير،وملتون..ولم يخل الأمر من ناحية أخرى من وجود نقاد يؤكدون أنّ الرسامين والمصورين شعراء"([6])

   وقد رأى أفلاطون في  الصورة المرسومة أنها تقدم المتعة وأن الإنسان ميال بطبعه  لمشاهدة الصور وأنه يتعلم منها.قال في ذلك:"إننا وبشكل خاص نستمتع بالنظرإلى صور الأشياء المشغولة بعناية والتي لانطيق رؤيتها في الواقع مثل أشكال الحيوانات التي تبعث على التقززأو الجثث"([7]).نحسب أن أفلاطون يشير هناإلى مايحدثه الفن عموما وفن الرسم خاصة في تجميل الأشياء حين يدمجها في حقله وفضائه عن طريق فعل المحاكاة.فكل ما دخل الفن جمّله .وأضاف إليه ما لم يكن فيه.والذي يضاف إلى عناصر الطبيعة عند المحاكاة هواللمسة الروحية الجمالية التي يضفيها الفنان من خاصية روحه على عمله الفنّي.فحتى الأشياء المقززة أوالبشعة حين ينقلها الفنان إلى عمله الفني تصبح أجمل،حتى ولو كان ذلك هو جمال البشاعة.

    والمحاكاة عند أرسطو ليست نقل الأشياء كما هي في الطبيعة،بل هي إنتقائية ،خلاقة  تعبر عن "الكلي":"بحق في التجربة البشرية ولاتكتفي بالترديد الحرفي للمجرى المألوف للتجربة،فالفن لايقلد الظواهر الخارجية فقط بل يصل بتقليده إلى جوهر الطبيعة،وينفذ إلى المثل العليا للأشياء التي يقلدها،فالتقليد إخراج فني للطبيعة وليس مجرد نسخ أمين للظواهر الطبيعية"([8]).وقد يسأل سائل عن علاقة هذا الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا.وماعلاقته بالصورة في أدب الطفل؟ إننا نربط هنا بين ما ماهية فن الرسم بصفته فنا مستقلا له مجاله وله معاييره وجمهوره وله نقاده.فقط يجب الإشارة إلى أنّ الصورة الرقمية والتكنولوجية التي أضحت فنا قائمة بحد ذاته في كتب الأطفال،أو في أشرطة الرسوم المتحركة التي تفوقت بشكل واضح وقوي على النص المدرسي الصورة التي ترافقه،وأضحت بما تتوفر عليه من تقنيات عالية الجودة، تؤثر في الطفل تأثيرا ثقافيا ومعرفيا وبشكل مباشر وسريع سرعة الضوء.كيف لا وقد صارت الصورة خزانا مفعما بالثراء المعرفي والتربوي.وقد أضحت الصورة تخاطب الطفل وتحكي له وتلقنه ،دون إرغامه على تبني تلك المعلومات أو الثقافات بل يقبل عليها مسحورا بجمالها وبحركاتها الرشيقة وكأنها حية ترزق.

فتأمل معي تقاسيم وجه   ساندبــال.وهيئتها وكيف رسمت بمقاييس لوحة فنية،وليس صورة 

رسوم متحركة رسوم متحركه رسوم

                  سانـــدبــــــال(صورة:1)[9]

للاستهلاك التجاري، أو التسلية كما قد يرى البعض.وليس بالضرورة مراعاة حقيقة الهيئة الآدمية بقدر ما روعيت في رسمها ماهية الفتاة اللطيفة الجميلة.التي لاوجود لها سوى في عقل الطفل، الذي يرى فيها أكثر من واقع،وأكثر من منطق.فقط لأنها تسكن خياله المجنح،وانظرفي عينيها وبريقيهما وكأنّ ضوءا ضعيفا ينعكس فيهما،وهوأسلوب فني يوهم بواقعية الصورة،وحتى تلك التقاسيم الدقيقة كبثور النمش الدقيقة روعيت ،مع الألوان الزاهية المفرحة.التي غلّب اللون الأحمرالفاتح والهادئ قصد نقل حرارة الصورة وحيويتها إلى نفسية الطفل .ليندمج في فضاء الصورة وحتى تتحقق شعرية التلقي ويتمّ تبليغ المعنى التربوي المقصود.ومن ثمة فصورة ساندبال مؤهلة لتلقين الطفل ما تشاء من قيم تربوية وجمالية وتعلمه ما لم يعلم.وقد تعجز المدرسة على فعل ذلك.بل المدرسة عاجزة بكتبها التي تبعث الملل والنفور بمجرد فتحها،حيث يفاجأ الطفل بصفحة مجللة بسواد يسد النفس،وحيث يستغرق ويجتاح الصفحة من جميع جهاتها وزواياها،وحيث الصورة بكآبتها الرثة،وألوانها الشاحبة المتداخلة وملامح لحيوانات وبشريصعب تميّزها من بشاعة الألوان التي ألغت كل مظهر من مظاهر البهجة والحبور،ومن ثمة فهي صورأساءت للنص وأغمضت دلالاته.فهي صور بلا معنى يصعب أن تفيد الطفل وأن تعلمه،أو تربيه.[10]

     لاشك في أنّ الطفل المتلقي لشريط الصور المتحركة "لسندبال" ستبهره طبيعة الصور الرقمية الفائقة الإخراج، وسيصاب بالافتتان حين يفتح الفضاء المتخيل بعنف ألوانه الأخاذة.

وسوف يعجب بأغنية البداية التي تمثل أقوى عتبات الشريط،بلحنها المشحون بالحنان المفرط،وبألفاظ الأغنية الدالة والداعية إلى كل خير.ففي ألفاظ أغنية المقدمة دعوة قوية إلى كل خير.فعل الخير،ومحبة الآخرين، والعمل والاجتهاد والإخلاص،وهي مجموعة قيم تربوية وأخلاقية ،يصعب على النص المدرسي أن يوفرها،أو يحوزها.بل إنّ الأغنية هي :صوت المحبة ينادي الجميع.

والنص الكامل للأغنية التربوية نص تربوي بامتياز:

    "سندبال سندبال/ أنا اسمي سندبال

أنا صوت محبة ينادي/ ويدعولخير الكل

أسافر في الأزمان/ أعيش في كل مكان

بقلب كبير الإيمان/ أحب الحياة وأعمل، بجدّ وبإخلاص

يتيم لا أشكوولا أسأل/ وأحب كل الناس

هلموا إلــــيّ تعالوا/ أنا صوت المحبة ينادي

ويدعو إلى خير الكل."

  تنفتح علامات(كلمات) الخطاب الأغنية العتبة لحلقات شريط "سندبال" على فضاء معرفي وتربوي تعليمي يمكن أن يجمع ويفيد الصغير كما الكبير ،ذلك لأنّ مثل هذه الخطابات القصصية حين كتبت لأول مرة لم يقصد بها فئة عمرية محددّة.بل كتبت بنفس الطريقة التي تكتب بها الأعمال الأدبية العادية.وهذا شأن جميع الأعمال الفنية العالمية.فعندما"كتب عالم الرياضياتcharles lotwing Dogssen باسم مستعاروهو"لويس كارل"لأول رواية للأطفال وهي"adventures in wonderlands' alice .أليس في بلاد العجائب" لم يكن مطروحا آنذاك فكرة الفئة أو الثقافة التي يمكن أن تحتضن هذه القصة الشيقة والمتشابكة والتي يقال أنها عبارة عن حدث واقعي استغله الكاتب لإثبات مزاجية الأطفال في سنّ معينة وخيالهم الخصب ومداه"[11]

   ثم تأمل معي صورة أخرى مقربة لساندريللا والتي تتخذ شكل اللوحة وخصائص الرسم الفني الذي يجسد المكان الدلالي في مقابل استحضار الزمان الذي سيحددّه الطفل بصفته المتلقي لصورة ساندريللا المتحركة والمتحررة من فضاء الورق الذي هو فضاء ساكن يشتغل على تعطيل فعل الحركة أي الحدث،وتعطيل الأقوال مما يضطر الطفل إلى تأليف الفعل والحركة واللذان بفضلهما سيبني عالما متحركا متخيلا،لايرقى إلى مستوى العالم الذي أوجدته التقنية الرقمية.

                     سنــــــدريللا (صورة:2) 

  تعد قصة سندريللا للكاتب الفرنسي "شارل بيروcharles Perraut" من أعظم قصص الأطفال التي شغلت عقل الطفل وهيجت مخياله،تماما كما افتتن بها الكبار نظرا لما تضمنته من عناصر تشويق هي غاية في الإبداع والتفنن في الحبكة،وشاعرية المسرود،كما أنها لامست الجوانب الإنسانية في نفس كل من قرأها،أو شاهدها شريطا مصورا يحكي بالصوت والحركة،وبذلك الفضاء اللوني الجميل الذي يؤطر مشاهد ومظاهر الأحداث.وقد يبدو موضوعها بسيطا سهلا في مظهره،ولكن قيمة القيم التربوية والأخلاقية التي تضمنتها القصة غاية في الحساسية ،وموغلة في الروح الإنسانية السوية التي تنشد الخير وتأبى الشربطبعها وفطرتها.ففي "سندريللا"نلفي فتاة تقسو عليها زوجة أبيها المسكونة بالشروالتسلط،وتحتقرها ابنتاها الغيورتان من سندريللا الجميلة الطيبة،فحسدهما نار تتلظى في نفسيهما،ويدفعهما ذلك الحسد المتنامي إلى المزيد من القسوة،ولكن الفتاة سندريللا تتحمل كل ذلك العذاب والمعاناة،مستمرة في حياتها القاسية تقوم بأعمال المنزل التي لاتنتهي صابرة حالمة بيوم الخلاص،فيزيدها صبرها وأحلامها مزيدا من اشراقة وجهها.إلى أن تأتي لحظة الخلاص حين يقيم الأمير حفلا يستدعي إليه كل الفتايات ليختار واحدة يتزوجها،وهنا تتدخل الساحرة فتغير من حال سندريللا وتحضر سندريللا الحفل وهي تبدو كأميرة حقيقية.وحين تدرك الوقت الذي حددته لها الساحرة حتى تعود قبل أن يزول مفعول السحر وينكشف أمرها،جرت سندريللا مسرعة إلى البيت ولكن سقط من قدمها الحذاء...ولما أمرالأمير بقياس الحذاء على كل الفتيات،ووقع المقاس على قدم سندريللا.فتزوجها الأمير.وبذلك اشرقت شمس أحلامها وأراحها الله بعد صبروعذاب من شرزوجة الأب وحسد وغيرة ابنتيها الشريرتين.

 ترجع قصة رودوبس إلى العصور الغابرة. فقد ذكر المؤرخ الإغريقي سترابون قصة مماثلة عن خادمة مصرية من أصل يوناني تدعى روهدوبس [1] التي تخلفت عن حفل أحمس الثاني بسبب قيامها باعمال عن الخادمات الأخرىات. فأتى نسر وسرق حذاءها ووضعه أمام الملك. فطلب الملك من جميع نساء رعيته تجربة الحذاء فكانت روهدوبس الوحيدة التي لائمها الحذاء. فوقع الملك بغرامها فتزوجها. ويمكن الرجوع لأصول القصة حتى القرن السادس ما قبل الميلاد من أيام إيسوب (620-560ق.م) المشهور بتأليف القصص الخيالية. وقصة مماثلة ظهرت في عام 860 م في الصين تسمي ين تزان.

 

                                                         

                 الساحرة ورودوبس([12])

        تكمن أهمية قصة رودوبس أوسندريللا في أنها تتضمن مجموعة من القيم والمعارف التعليمية وهي معارف لصيقة بالواقع الاجتماعي اليومي الذي يمثل الطفل جزءا بل محورا       أساسيا فيه.كاليتم،وقسوة زوجة الأب،والغيرة،والصبر،والتمسك بالأحلام المحتمل تحققها...وغيرها من المبادئ التي تمثل عمق الحياة خيرها وشرها.وهذه كلها اهداف تربوية وتعليمية قصدها مؤلفوا مثل هذه القصص.ولأنّ تجدر الإشارة إليه هنا"هو أنّ الكثير من المدونين لتلك المعرفة فعلوا ذلك وهم يفكرون في جمال التعليم،وفي حلاوة قصة دون أن يدور في خلدهم أنهم يعملون بشكل خاص للطفولة،وآخرون كانوا يرغبون أن يأخذ الأطفال هذا الأرث"[13]

   هذه مقاربة سريعة في متن "سندريللا" بصفتها خطابا قصصيا موجها للطفل.فكيف نقارب متن خطاب "سندريللا" صورة متحركة ناطقة،وقد تخلصت من المتن اللغوي.وقد اكتسب الكثير من عناصر الواقع العياني.حين صارت عالما أساسه الحركة والحيوية.وإيقاع الألوان المبهجة.؟

     يميثل هذا النوع من الصور زيادة على القيمة التربوية والتعليمية.فضاء جماليا يؤطر المكان(حيز الرسم) محددا أبعاده الجمالية والذوقية ،وليخاطب من ثمة الجانب الروحي والنفسي في الطفل،ولأنه من الفنون المكانية،وهي بذلك تعبر عن الزمان.وهذا شأن الفن التشكيلي،فاللوحة الفنية تجسد موضوعاتها من خلال المحسوس، المرئي والملموس:"ويأخذ البصر من بين الحواس الحيز الأول في تقويمها،وهي لذلك تكون محدودة بحدود المكان المحاكي"[14].وإذا التفتناإلى طبيعة الصور المتحركة على أنها كانت في الأصل خطابا لغويا مكتوبا موجها إلى الطفل بصفته خطابا تربويا وتعليميا،فإنه مع تحويله إلى خطاب بصري،أساس اشتغاله يتوقف على حركة عناصره الخطابية:الأشخاص،وباقي الكائنات ـ وفي الغالب تكون حيوانات أليفة ـ وفضاء طبيعيا أو بيئيا.وكل ما يدخل في تركيب الفضاء الموضوعي للشريط الذي يمثل بدوره الموضوع.فكل ذلك ينزاح بمخيلة الطفل إلى عالم افتراضي متخيل،يسكنه عقل الطفل وخياله الخلاق.يخترقه الطفل لتخذ منه فضاء يلجأ إليه كلما ضاق ذرعا بواقعه أي الواقع الاجتماعي الذي يتسم بصرامة القيم والمبادئ الأخلاقية.ومن ثمة يكون الشريط الصور المتحركة متنفسا ينتقل إليه بمخياله متحررا ومنسجما بالتماهي مع شخصياته بعد أن انسلخ من إيهابه الاجتماعي.

   فكل ما في الصورة المتحركة مشحون بالمغري والجمالي،والشاعري،والطريف،والمدهش

والسحري.ولاعجب إذا صار الطفل في عالمه المشاهد صورة متحركة شبيها بتلك الصور التي يرافقها في مغامراتها السحرية متعلما منها ومفتونا بسحر عالمها الذي صيره كائنا أو مخلوقا من كائناته العجائبية.الصورة الرقمية المتحركة التي تعيد صياغة الواقع في صورة حلم،وصياغة الحلم في صورة واقع خلاق.

    ولماّ كانت الصورة ـ سينمائية ـ صور متحركة ـ تنطوي على كثرة من الثراء التقني والفني وأساليب العرض بغية تمرير فكرة أو معلومة ،أو رسالة ما.:"فقد شكلت آليات فريدة لتحقيق المتعة الذهنية وفتنة الحواس وتمرير الرسائل الفكرية والأخلاقية، بالنحو الذي يكسب الصورة السينمائية بعدا نورانيا،سواء بالمعنى الحسي،الذي تورق فيه الصفحات الحياتية"المشخصة" وارفة على الشاشة البيضاء،أو بالمغزى الجمالي الذي تروي فيه الصورة الفيلمية ظمأ الكائن إلى "المحتمل" الإنساني وقد جللته الأخيلة ببهاء التناسب اللوني والضوئي والإيقاعي"[15]

     لقد اضحت الصورة المتحركة فضاء ينبني على الكثير من عناصر الغواية وتربية الذوق الإنساني الذي تنشده كل نفس تواقة إلى كل جمالي ومبهج،ومن ذلك الجمالي المبهج في الصورالرقمية  المتحركة تناغم وتناسب ألوانها ـ الألوان المحوسبة ـ التي تشكل فيما بينها  إيقاعا بصريا يندغم بالتجاور مع المساحات اللّمسية،وبالأشكال التلقائية العفوية كتلك التي تشكل خلفية ترسخ المكاني وتؤطره،فاتحة المشهد على الرؤية البصرية العفوية التي تتلذذ بالكلي بصتفه رؤية تنفتح على المحتمل المعادل للواقع.وقد ذهبت التقنية الرقمية الحاسوبية مذهبا رهيبا في هذا.وخاصة على مستوى إيقاع الألوان وموسيقاها البصرية.

  نحسب أنّ قيمة النص القصصي المكتوب للطفل ،قيمته الأدبية والفنية الجمالية هي التي تنقله من دائرته القومية إلى دائرة العالمية،لأنّ في قيمه الإنسانية مرجعيات تربوية وتعليمية يجد فيها كل مجتمع وكل طفل بعضا من شخصيته،ولأنّ كل عمل فني أو أدبي إلاّ وفيه جوهر إنساني يخاطب من خلاله الجانب الإنساني في الطفل ،فيجد استجابة من لدن الطفل،وهذه هي الخصيصة الموضوعية في عالمية الأدب.وهذه النصوص بالذات هي التي نجد الفنون جميعها تتجاذبها وتدمجها في دائرتها.وهذا ما ألفيناه في قصة "ساندريللا" التي كانت في أول ظهورها نصا أدبيا أي قصة لغوية، ثم قصة مرسومة مرافقة للنص اللغوي القصصي،ثم صورا متحركة ناطقة.ثم رأينا بعض الفنانين الرسامين يفتتن بها بصفتها قيمة فنية فيحولها إلى لوحات فنية في غاية الجمال والدهشة،بل رأينا من الفتيات من وصل بها حد الافتتان بشخصية "ساندريللا"أن تتمنى لوكانت ساندريللا.وهكذا شأن النصوص الفاتنة.فتأمل معي روعة اللوحة الفنية التي رسمها أحد الفنانين.وقد لخص قصة سندريللا في ستّ لوحات،كل لوحة تجسد مرحلة من مراحل سندريللا.تصويرا دقيقا.يفضح دلالة المرحلة ويجليها جماليا.

                   

)[16]                  3 سنــــــدريللا (صورة:

 

   في هذه اللوحة تتلاقى الألوان لتحكي بلغتها الخاصة بؤس ومعاناة سندريللا،وقد حلت الأولوان هنا محل اللغة،بحيث يمكن للطفل أن يقرأ بعينيه دلالة الفقروالشقاء.فقد ظهرت مكونات الصورة باللون الرمادي الكئيب،فالقط بلون رمادي داكن،والقفة مزيج مابين الرمادي والأبيض الوسخ،وعباءة سندريللا ترابية اللون ميالة إلى الرمادي وعليها قطعة قماش سوداء رثة،وأما قميصها البرتقالي والذي يظهر في الصور المتحركة أحمر قان.فهو لون هويتها.الذي لايفارقها في الكثير من المدونات الأدبية والفنية.وهو شبيه بلون بشرتها الميالة إلى الحمرة.وقريب أيضا من لون شعرها.وقد جُمعت تلك المظاهر الكئيبة في هيئة وجلسة سندريللا المنكسرة.المنهارة نفسيا.في جلستها الدالة على عمق الهمّ وقد أسندت ظهرها إلى الحائط الرّميم.وأما الموقد فإنه برماده وقدره الفارغ وتعاسة الأواني المحاطة به يوحي بشظف العيش وسوء الحال.وهنا يمكن الإشارة إلى مايمكن أن يتخيله الطفل الرائي المتأمل في هذه اللوحة ،وإلى أيّ درجة من الشفقة والحزن التي تنتابه وهو يمعن النظر في ملامح سندريللا.هنا فقط يمكن التنبيه إلى عامل الشفقة وما يختزنه من عامل التبليغ والتواصل التربوي والأخلاقي مع الطفل.

 

                          صورة سندريللا:4

مع الصورة الثانية.نرى حضور الوان التفاؤل،وتناغمها مشكلة إيقاعا بصريا لاسمعيا،يعمل على تحرير نفسية الطفل، ويدفع بها جهة عوالم التفاؤل وحلّ العقدة.كما تظهر اللوحة تركيب الواقع الحزين بفضاء التفاؤل المتحقق حلميا.وذلك في مظهر سندريللا بلباسها الرث البالي وسط فضاء من الخضرة،وهي تخاطب طيرا أبيض،على غصن شجرة وارفة الظلال،مثمرة وقد بدت علامة البشروالانشراح على محيّ سندريللا.ومن خلفها أزهار بيضاء وصفراء.مما يجعل هذه الأوان الزاهية الفرحة علامات خطابية توحي للطفل الرائي لهذه اللوحة الصورة أنّ ثمةَ أمل يلوح في أفق حياة سندريللا.

 

 



[1]ـ سمر روحي الفيصل.أدب الأطفل وثقافتهم. قراءة نقدية.منشورات اتحاد الكتاب العرب.1998.ص:76

[2]ـ نوال حيفري.أدب الأطفال بين العلم والفن،التقنية الرقمية وتأثيرها في المسرح والرسوم المتحركة.أطروحة دكتوراه.إشراف :واسيني الأعرج.2010.ص:238

[3]ـ نقلا عن.علي الحديدي:الأدب وبناء الإنسان.الأنجلو المصرية.1980. ص:57

[4] ـ فاطمة الجيوشي. فلسفة التربية.جامعة دمشق.1981/1982. ص:74

[5]ـنوال حيفري.أدب الأطفال بين العلم والفن،التقنية الرقمية وتأثيرها في المسرح والرسوم المتحركة.ص:238

[6]ـ كلود عبيد.جمالية الصورة.في جدلية العلاقة بين الفن التشكيلي والشعر.مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشروالتوزيع.بيروت لبنان.ط1. 2011.ص:12

[7]ـ المرجع نفسه. ص: 12

[8]ـ المرجع نفسه.ص: 13

[9]ـ عدد حلقات الانمي : 47 ومدة كل حلقه25 دقيقه .
مخرج الانمي: Hiroshi Shidara 
الكاتب : Hiroshisa Soda
Makoto Sakurai
Noboru Shiroyama
 
مدير الحلقات : Kazumi Fukushima
موسيقى: Takeo Watanabe 
تصميم الشخصيات: Makoto Sakurai 
كاتب القصه ومؤلفها: Shiroh Jinbo 

[10]ـ أنظر.كتاب السنة الخامسة من التعليم الابتدائي. صورة نص:رسالة سلام.ص:10.وصورة.الصفحات:28/32/36/43. وباقي صور الكتاب.

[11]ـ olivier diffault.il était une fois les contes de fées.Broché 2001.p.108

[13]ـ سيسيليا ميرال.مشكلات الأدب الطفلي.ترجمة:مها عرنوق.منشورات وزارة الثقافة .دمشق.1997ص:85/86

[14]ـ كلود عبيد.جمالية الصورة.المرجع السابق.ص:101

[15]ـ  شرف الدين ماجدولين. الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما.منشورات الاختلاف.ط1.2010.الجزائر.ص:114