بلاغة الصورة الفنية عند أبي حيان التوحيدي

                                        الرسم بالكلمات

                     بلاغة الصورة الفنية عند أبي حيان التوحيدي

                                                                أ.د.عميش عبد القادر

   كنا قد بيّنا كيف أن بعض القدماء قد شبهوا الأديب في إنشائه للصورة الفنية عن طريق الوصف بالرسام في اختيار الألوان ومزجها ومراعاته لتناسق الألوان وتكاملها، مثله مثل الأديب الذي يتخير الألفاظ :" ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت كانت في المنظر..إلخ"([1]).فانظر إلى أبي حيان كيف ينشيء الصورة الفنية، وتأمل تلويناتها اللفظية، وكيفية تشكيل اللغة الواصفة ، وبراعته في تخير اللفظ، ثم تدبره لسبيل التركيب، وجمعه بين الفاظ دالة على البنية الخلقية، وألفاظ أخرى منتقاة دالة على جانب الروح وهويصف الفيلسوف المعروف:أبو سليمان المنطقي."إذا سمع غناء هذا الصبي الموصلي النابغ الذي قد فتن الناس وملأ الدنيا عيارة وخسارة، وافتضح به أصحاب النسك والوقار،وأصناف الناس من الصغار والكبار، بوجهه الحسن، وثغره المبتسم ,وحديثه الساحر،وطرفه الفتر،وقده المديد، ولفظه الحلو،ودله الخلوب، وتمنعه المطمع،واطماعه الممنع، وتشكيكه في الوصل والهجر، وخلطه الإباء بالإجـابة، ووقوفه بين لا ونعم ،إن صرحت له كنى،

وإن كنيت له صرح، يسرقك منك، ويردك عليك، يعرفك منكر لك، وينكرك عارفا بك، فحاله حالات، وهدايته ضلالات،وهو فتنة الحاضر والبادي، ومنية السائق والهادي..."([2]).

    فتأمل في هذه الصورة الواصفة براعة التركيب، والجمع بين الألفاظ المتضادة,وكيفية مزجها ليخرج بها إلى مركب مغاير أساسه تلوين المتخيل،وتقريب المتصور،وإظهار ماخفي على العين من أسرار ومكونات المحسوس ،الملموس، ثم انظر إلى دقة الوصف ومجهرية التقاطيع، والخطوط ،والجزئيات ،كيف يلونها بالدلالة والمعنى الذي يدق عن الفهم،ويتمنع عن الوصف.فكأن الأوصاف أوصاف أنثى، وكأني بالغلام المخنث يلبسه أبو حيان التوحيدي إهاب أنثى فاتنة، وكأني بأبي حيان التوحيدي جراح تجميلي بالمصطلح العصري.يجري عملية تجميلية لهذا الغلام المخنث نفسيا،المدلل في حركاته النسوية المرنة،وفي صوته الخاضع لأطماع المريضة قلوبهم؛المثليون homosuxelle .فمن تلك الألفاظ الأنثوية الدالة على الشذوذ،الملونة لذلك الصبي المخنث:(فتن الناس،افتضح به، الوجه الحسن،الثغر،الحديث،الطرف،الحلو،الخلوب،تمنعه...).

    وبهذا التلوين اللغوي نلفي صورة الصبي(الرجل) تمحى، وتختفي وتنشأ مكانها صورة متخيلة ، استحضرت محمولة على اللغة الواصفة وحدها. وقد كنا أشرنا إلى أن الألفاظ المنتقاة قد تحقق مالا تستطيع التشابيه والاستعارات تحقيقه, وهذا عينه الذي يمر بنا هنا في هذا المكان النصي, حيث يعمد أبو حيان إلى تشبيه ووصف الصبي باللغة (الألفاظ).ولم يوظف أي تشبيه أو استعارة.

وربما كانت الصورة المحققة باللفظ أكثر بلاغة وأدبية من الصورة

التشبيهية أوألبلاغية عموما.لأن في التصوير والوصف بالألفاظ وحدها يظهر جهد الكاتب وقدراته الخاصة في إنشاء الصورة. ذلك لأن الصورة التشبيهية قالبها سابق عليها ولا تحتاج إلى كثير من الجهد والتدبر والحيلة.

   ومن جهة تدليلية سيميائية التخمين لدي قراءتنا لصورة الصبي في مظهره الشاذ جنسيا،تحيلنا إنزياحيا على صورة أخرى هي صورة المجتمع أنذاك. وماكان يعقد من جلسات اللهو والغناء،وما يصاحب تلك المجالس من خلاعة ومجون.وهي صورة تجلي لنا صورة ثالثة أخراة لثقافة العصر الترفيهية، العلنية وما خفي من أشباهها، وما تستر عنها، وماكان من مجالس الخاصة التي لا تصل إليها قدم ، ولاتطلع عليها عين،وتتشنف بمزاميرها أذن سارق السمع."..هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا تصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه,وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب،إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال،وخلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه،وترنم وأوقع، وهز رأسه،وصعد أنفاسه ،وأطرب جلاسه,واستكتمهم حاله،وكشف عندهم حجابه، وادعى الثقة بهم,والاستنامة إلى حفاظهم"([3]).

   وقد أشرنا في مكان آخر من هذا النص. أن الصورة ما هي سوى نص صغير- من حيث اللغة, وخطاب بصفته موضوعا أو تيمة مقولة.- يشتغل دلاليا داخل النص الكبير. وما النص الكبير غير سلسلة من تلك النصوص الصغيرة (الصور الفنية).ومن هذا المنظور تكون الصورة تكتلا ثقافيا ومرتكزا لسانيا لسياقات معرفية:السياق الثقافي , والاجتماعي, والأخلاقي, والتاريخي ...إلخ.وهي بذلك وصف لغائب في صورة حاضر وإيقون دال.ومن هذا كان الوصف:" مماثل (icône ) مزود بطاقات هائلة من الجمال الأدبي الذي تكون غايته رسم صورة الغائب في صورة حاضرة"([4]).يبقى تفاوت هذه الطاقات مرهونا ومتوقفا على قدرات الكاتب ومهاراته اللغوية والأسلوبية .ودرجة مخياله وتخيله للمتصور. وكيفيات استحضاره وزاوية التبئير focalisation(زاوية نظره). مجيبا عن السؤال الافتراضي :ما الذي يريد تقديمه للمتلقي من هذا المتصور؟ هيئة، أم رائحة، أم قيمة م،أم لون، أم صوت، وأيضا قد يكون المتصور الموصوف :ماديا، كما يكون معنويا.أو تجمع الصورة بين هذا وذاك.وقد يكون الوصف في الصورة إما تجميليا تحسينيا، أوتقبيحيا([5]) .


      وقد خصص أبو حيان التوحيدي للصورة في الليلة السابعة والثلاثين من كتابه الامتاع والمؤانسة شروحات مطولة ذكر فيها جميع أنواع الصورحتى وصل إلى الصورة اللفظية(اللغوية) في قوله:" وأما الصورة اللفظية فهي مسموعة بالآلة التي هي الأذن ،فإن كانت عجماء فلها حكم، وإن كانت ناطقة فلها حكم، وعلى الحالين فهي بين مراتب ثلاث:إماأن يكون المراد بها تحسين الأفهام، وإما أن يكون المراد بها تحقيق الإفهام، وعلى الجميع فهي موقوفة على خاص مالها في بروزهامن نفس القائل،ووصولها إلى نفس السامع،ولهذه الصورة بعد هذا كله مرتبة أخرى إذا مازجها اللحن والإيقاع بصناعة الموسيقار ،فإنها حينئذ تعطي أمورا ظريفة،أعني أنها تلذ الإحساس، وتلهب الأنفاس ،وتستدعي الكاس والطاس، وتروح الطبع، وتنعم البال،وتذكربالعالم، المشوق إليه،المتلهف عليه."([6]).

    يميز أبو حيان بين صورة مسموعة منقولة نطقا بخالص لغتها وألفاظها التي ألفت بها، وركبت عليها، والصورة المدعومة بالموسيقى وما يفعله اللحن والإيقاع بنبراتها وأصواتها المتآلفة المنتظمة فيما بينها,وانتظامها الثاني مع اللحن وتركيب ألفاظها ونبرها على النوتات المؤلفة لغاية إيقاعية متخيرة ومنتقاة، فيكون بعد ذلك تأليف على تأليف, وتركيب صوت اللغة (أصوات مخارج الحروف) على أصوات النوتات الموسيقية.فتأخذ اللغة بعضا من خصائص الموسيقى وتأخذ الموسيقى بعضا من خصائص اللغة.وينسجم ذلك كله مع صوت المغني صاحب الصوت الحسن. فيحصل لدى السامع صوت أونغم مركب من ثلاث جهات صوتية :نغم اللغة، ونغم الموسيقى ,ونغم صوت المغني.فيكون كما قال أبوحيان:" ,فإنها حينئذ تعطي أمورا ظريفة,أعني أنها تلذ الإحساس, وتلهب الأنفاس ،وتستدعي الكاس والطاس، وتروح الطبع، وتنعم البال،وتذكربالعالم، المشوق إليه،المتلهف عليه.".

    وبذلك نكون أمام صورة مركبة الأطراف. يضاف إلى ذلك عناصر أخرى داخلة في تحسين الصورة.منها ما تعلق بالمغني أو المغنية، من أوصاف خلقية ومعنوية.وما تعلق بمعاني ألفاظ الشعر المغنى، وما يحدثه ذلك الشعر من متعة ،وما تعلق بنوعية أو صنف اللحن والإيقاع، والآلة المستخدمة لتأدية اللحن. وما تعلق بطبيعة المجلس كمجالس العامة، والخاصة،ومجالس الوجهاء، والملوك،ومجالس الوزراء وما إلى ذلك من أصناف المقامات والأحوال.

     وهنا تكمن قدرة أبي حيان التوحيدي اللغوية والبلاغية فقد تكفيه:"..لمحة من قصة أو إشارة إلى حادثة،فإذا سمعها نسجها نسجا جديدا..حتى يذهب في تصوير ذلك قصة أساسها واقعي وملابساتها وجزئياتها مخترعة.."([7]) .

  وفي صورة أخرى قوله:" ..فيرى إبن المقنعي وقد طار في الجو ،وحلق في السكاك ،ولقط بأنامله النجوم ،وأقبل على الجماعة بفرح الهشاشة، ومرح البشاشة."([8]). فلو تأملنا مكمن جمالية هذه الصورة لاتضح لنا بجلاء فضاؤها الروحي والشعوري المتجاوز لمشهدية المقام المادي، حيث الفضاء الروحي الشطح الصوفي الذي لا تحده حدود،وحيث روح ابن المفنعي الشفيفة هذا سابحة بشكل عجائبي، سحري، معلقة في سقف من الوهم الممتع،نشوى، سكرى بالنغم ،سابحة بين أنجم الوهمي والغرائبي ،متعلقة بالذي تجلى لها هي وحدها،وهي وحدها التي ترى ما لايراه غيره، وتسمع ما يسمع وتلك حالة الصوفي في حضرة المتجلى، وسواء كان هذا المتجلي وهما، أو ظنا,أو شبه له فهفت روحه إلى ظنها وإلى شبيهها,وهنا حقت الاشارة إلى ما نعتقد أنه الفكرة التي نسعى إليها من هذا اللف والدوران. إنها شخصية الصوفي الفاعلة .واعتقادنا في ذلك أن شخصية الصوفي ليست بدنه المادي وهيئته الإنسية العيانية إن لشخصية الصوفي بصفتها فاعلة تنسب إفعالها إلى الروح، لأن الروح هي الشخصية عينها،ومن ثمة تكون هي المنتجة لوظيفتها ،وظيفة الفاعل ، لا جسده. لأن السعي والحركة تنسب إليهالا إلى لجسد ،على عكس مفهوم الشخصية في النصوص الروائية الأدبية العادية.تلك خاصية مفهوم الشخصية الصوفية،عكس ما نلفيه في الشخصية الروائية الأدبية التي تنسب معها الأفعال والوظائف إلى الشخصية (الجسمانية)  وأما الجسد الذي تثاقل إلى الارض.بسببطبيعته الطينية،فقد انخرط في تمايلاته وارتعاشاته منتشيا بما يعبث بروحه من صوت عذب، وبما استولى على قلبه الولهان.

   ثم إن الوظائف إذا ما نسبت إلى الشخصية ،على افتراض أن ثمة أفعال صادرة بالقياس العيني إلى الشخص كحركات الرقص والقفز,والتخبط وسط الحلقة فإن الشخصية الفاعلة تكون فاقدة للإدراك واستعاب ما يصدر عنها،وهو ما يدفعنا إلى الاعتقاد بانتساب هذه الأفعال والوظائف إلى الروح لأنها في حال الشطح- إن سمي ذلك شطاـ تكون هي الفاعل .ومن هذا كانت الوظائف والأفعال تنسب في الفكر الصوفي إلى الروح لا إلى الجسد.فهي التي تسافر, وترى,وتروي ما شادت في معراجها, أو سريانها في العدم.والماوراء.وهذا باب لو فتحناه لاستوجب مناالتدبروالبحث وانزاح بنا الكلام إلى نواحي خارجة عن مانرومه من بحثنا هذا.

  هكذا تكون شعرية خطاب الصورة عند أبي حيان التوحيدي، وهذا حال المتصور، المستحضر باللغة ،المرسوم ،الملون بالكلمات المتبرجة،وهكذا تصنع الصورة الواصفة فتنتها.ولانملك غير ترديد قول الجاحظ: اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                       

     

 

 

 

                

 



ـ[1] ـإبن سينا  الخفاجي. سر الفصاحة. ص: 54

 

[2] ـ كتاب. الإمتاع والمؤانسة .أبو حيان التوحيدي. منشورات اتحاد مكتبة  الحياة.بيروت ـ لبنان. صححه,وضبطه, وشرح غريبه. أحمد أمين. وأحمد الزين./ ج2/ ص: 174/175

[3] ـ أبو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة. ج2.  ص: 183

[4] ـ د. عبد الملك مرتاض. في نظرية الرواية . بحث في تقنيات  السرد. دار الغرب للنشر والتوزيع.

[5] ـ  عبد الملك مرتاض. م, ن. ص: 387

[6] ـ أبو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة. ج3. ص: 144

[7] ـ إحسان عباس . أبو حيان التوحيدي.   ص: 142

[8] ـ الامتاع والمؤانسة. ص: 175