جمالية الامتساخ والاختفاء :

جمالية الامتساخ والاختفاء :

لقد سبقت الإشارة إلى أن الامتساخ والتحول هو أحد العناصر المؤسسة للعجائبي في النصوص الفانتاستيكية، أو نصوص الواقعية السحرية، سواء اعترى هذا التحول الإنسان أو الجماد أو الطبيعة. فالاختفاء مثلا »يتحقق بصفته عنصرا يؤججالعجائبي ويعمق مساربه خالقا نفقا آخر في جسم النص«[1] وربطه ببقية مسارب العجائبي في جسد النص لتوليد الحيرة والإدهاش، كعملية إختفاء الأرميني الذي شهده "خوسيه أركاديو بوينديا"، وهو يشاهد عروض الغجر السحرية، حيث رأى » أرمينيا قليل الكلام، يعلن بالقشتالية عن شراب الإخفاء، وكان قد شرب، في جرعة واحدة، كأسا من السائل العنبري. . . قبل أن يتحول إلى بقعة نتنة ومدخنة من القطران. . . وتبخرت تماما بقعة الأرميني قليل الكلام«[2].

فالإخفاء -هنا - قائم على وسيط مادي، أي شراب الإخفاء، وذلك لإدهاش المتلقي من قدرة الغجر السحرية. كما منح صعود "ريميديوس" واختفائها عامل الملاءات، كمفسر مادي لصعودها إلى السماء. أما في المقاطع الأخرى من النص، فلم يذكر السارد المفسرات المادية أو الروحية، التي أسست عليها بعض مشاهد التحول والامتساخ، كامتساخ شخصية اليهودي إلى بهيمة أسطورية، و كتحول الرجل الغجري » إلى أفعى لأنه عصى أبويه«[3] في إحدى العروض الغجرية الحزينة،

إن حضور عنصر الامتساخ والتحول والسحر، بقدر ماجاء لتأجيج العجائبي وتغذيته، فهو واقع كولومبيا اليومي . جاء السارد به متفاعلا مع واقع بلده، معبرا عن موروثه الحضاري والفكري . ففي هذا البلد كل شيء ممكن، كل شيء يمكن أن يختلط به الواقع بالخرافة، بالسحر، بالأسطورة، وهي خاصية أنثروبولوجية موجودة في كل المجتمعات وبدرجات متفاوتـة .

 4-4- جمالية الخرق :

من تقنيات السرد عند "ماركيز" المزج المتوازن، والتزاوج المخصب بين المحتمل وغير المحتمل، بين الواقع واللاوقع، إلا أنه ـ في الغالب- يغلّب اللاواقع على صوره الفنية ورسم شخوصه الروائية، لأن »اللاواقع يفتح المجال أمام التصويرالفني وتكسير حدود الواقع من أجل وضع حدود جديدة يرسمها التخييلي وهويحاكي الواقع أو يعيد إنتاجه«[4]، وهو ماوسمه "جيرار جينيت" بإعادة »إنتاج خطاب الشخصيات وفكرها في الحكاية الأدبية المكتوبة«[5]. فالخروج عن معدن الشيء والإغراب في رسمه يحقق فنيا جمالية المحكي، وشعرية المسرود. فقد رأى "الجاحظ" أن » الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع«[6].

ومن الشخصيات الأنثروبولوجية الواقعية التي تم إعادة إنتاجها، أي محاكاتها، بشخصية "آمارانتا"، حيث يصرح الكاتب - في أحد ى مناصاته الخارجية- أن » العمة فرانثيسكا العذراء الشهيدة ظلت كما هي على حياتها المشعوذة وكلامها. . . الفظ جلست في يوم من الأيام أمام باب غرفتها. . . وخاطت كفنا على مقاسها إلى درجة أن الموت أمهلها أكثر من أسبوعين حتى تنتهي من عملها. في تلك الليلة ذهبت إلى فراشها دون أن تودع أحدا، لم تكن تشعر بمرض ولا ألم يذكر، وماتت وهي في أفضل حالتها الصحية. . . «[7].

والمشهد الآتي يتضمن أحداثا ذات مرجعية واقعية، لكنها متعايشة مع أحداث أسطورية، خارقة، متجاوزة حدود المعقول . ينطلق السارد في رسم عجائبية هذه الشخصية، من خلال شكل هام من أشكال اشتغال العجائبي، المتمثل في " الرؤيا "، حيث رأت "آمارنتا" » المنية، ذات ظهيرة قائظة، تخيط معها في الردهة. . . عرفتها فورا، لم يكن هناك شيء مخيف في المنية، لأنها كانت إمرأة تلبس ثوبا أزرق، ولها شعر طويل، وهيئة قديمة قليلا . . . كانت شديدة الواقعية، شديدة الإنسانية. . . لم تخبرها المنية متى ستموت. . . بل أمرتها بأن تبدأ بحياكة كفنها منذ السادس من نيسان التالي. وسمحت لها المنية أن تصنع كفنا بالغ التعقيد والدقة «[8].

ويواصل السارد توصيف الجانب الإنساني لهذه المنية، التي » نبهتها إلى أنها ستموت دون ألم، ولا خوف، ولا مرارة، عند غروب شمس اليوم الذي تنهي فيه الكفن. . . وقد صنعته بدقة كبيرة، حتى أن ذلك العمل وحده استغرق منها أربع سنوات. ثم بدأت بعد ذلك بالتطريز«[9].

نرى أن السارد - بلغته المثيرة وتعابيره الشاعرية- صنع من بشاعة الموت وقسوته جمالا ورقة. وهذا ما يعرف بجمالية البشاعة، متخليا عن الزمن العادي لصالح زمن أسطوري يتفق مع رؤيته السحرية للواقع[10]. فحياكة الكفن فقط استغرقت أربع سنوات، وهذا خرق للزمن الطبيعي المألوف.

والطريف المرعب، الذي أسهم في توتر عجائبية هذه الشخصية، هوعندما (أنهت الغرزة الأخيرة. . . وأعلنت دون أي دراماتيكية أنها ستموت عند الغروب. . . ورأت أنه ليس هناك معروف تقدمه أفضل من حمل رسائل إلى الموتى. . . وكانت تطمئن كل واحد من المرسلين : " لا تقلق أول ما سأفعله لدى وصولي هو البحث عنه، وإيصال الرسالة إليه "«[11].

ومن خوارق هذه الشخصية، أنها جهّزت كل متطلبات طقوس جنازتها بنفسها، ثم استلقت فيالنعش» بالوضع الذي أخبرتها المنية بأن تكون عليه في النعش«[12].

فماقامت به "آمارنتا" من تحضيرها لكفنها، هو ظاهرة أنثروبولوجية نجدها في كثير من المجتمعات، إنه تقليد اجتماعي قديم. ففي الجزائر مثلا، نجد من يحضّر كفنه قبل موته، ويفضل أن يكون قماشه من البقاع المقدسة(مكة المكرمة)، وهو تقليد أنثربولوجي وظاهرة اجتماعية معمول بها في بعض أقطارالعالم الاسلامي.

إن الذي أذهب عن الموت والكفن بشاعتهما والرعب منهما، هو طرافة السياق الذي صيغ فيه هذان العنصران. فـ"آمارنتا" تعاملت مع كفنها بشاعرية، وجمالية الطرز ووعد المنية لـ"آمارنتا" على أن تموت بدون ألم ولا خوف، وغرابة وطرافة تقبّل الأسرة لموت إبنتها.

حدث "آمارانتا" وكفنها، هو حدث مستلهم من واقع "ماركيز" الأسري، لكن إعادة انتاج هذا الحدث، كشف جانبا من تقنية الكتابة عند ماركيز»كيف يدخل العنصر في مخيلة ماركيز ليخرج بهذا الشكل الخرافي، القريب من القلب«[13].

فالرعب، كرعب الموت- مثلا- الذي كان يعتبر عنصرا محددا للحدث الفانتاستيكي، لم يعد ذا أهمية في بناء النص العجائبي، بل تحول إلى رعب آخر يعرف بـ"رعب المعنى". لم يعد القارئ الحديث، ذلك القارئ الساذج الذي ترعبه الأشباح وأساطير الماضي، بقدر ما يرعبه المعنى ورؤية العالم. فالرعب يتولد من خوفه من المجهول، من العجز والانهيار والموت[14].

فمن السمات البارزة التي تميزبها "ماركيز"، سمة الإغراب، فموضوع "مئة عام من العزلة" قائم على فكرة غريبة، ومنه جاءت شخصياتها محفوفة بطابع الغرابة البالغة أحيانا حدود الخيال المفرط، مما يفتح غواية القراءة ويسهل اندماج القارئ في النص، متفكها بتلك المغامز الدفينة، أو السافرة، إما تأكيدا لضحالة الشخصيات، وإما فضحا لخواء فيها، وإما سخرية وتنديدا لاذعين، بما في الحياة من ظلم وقهر[15].

فأمام تنوع وغنى رواية "مئة عام من العزلة" بأساليب كتابتها، ومضامين موضوعاتها، وعجائبية شخصياتها وأحداثها وكذا محولها الأنثروبولوجي، يقول عنها "ماركيز"وهو في صدد كتاباتها: » إنها تشبه البوليرو*«[16].

         



[1] - شعيب حليفي : الرحلة في الأدب العربي.. ط1. رؤية للنشر والتوزيع. 2006. ص : 488

[2] - مئة عام من العزلة، ص : 26

[3] - المصدرالسابق، ص : 45

[4] - الخبر في السّرد العربي، ص : 201

[5] ـ جيرار جينيت: عودة إلى خطاب الحكاية. ط1. تر: محمد معتصم.. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. 2000. ص:63

[6] ـ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين. ط4. تح: عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي القاهرة. ص: 102

[7]- أن تعيش لتحكي، ص : 107

[8] - مئة عام من العزلة، صص : 338 /339

[9] - المصدر السابق، ص : 339

[10] - ينظر: في الواقعية السحرية، ص : 126

[11] - مئة عام من العزلة، ص : 340

[12] - المصدر نفسه، ص : 342

[13] - جابرييل جارسيا ماركيز : الموت رابض وراء الحب. ط1. تر: شوقي فهيم. الدار للنشر والتوزيع. 2005. ص:9

[14] - ينظر: شعرية الرواية الفانتاستيكية، صص : 38 /41

[15] ـ جابرييل غارسيا ماركيز: أوراق ذابلة. تر: محمود مسعود. دار العودة بيروت. 1996. ص:6

[16] ـ غابرييل غارسيا ماركيز، رائد الواقعية السحرية صص: 136/137

*ـ البوليرو: هو نوع من التعبير الموسيقي أكثر أصالة في أمريكا اللاتينية، وله سمة من العواطف المفرطة، كما له أيضا غمزة ومبالغة ممزوجة بالفكاهة.